يمتلك البعض من الناس قدرات وطاقات خاصة منحهم الله إياها دون غيرهم من البشر، وجعلهم أكثر تميزًا في سلوكهم وطريقة تفكيرهم والتعبير عما يدور في دواخلهم بأساليب فنية لافتة ومؤثرة في نفوس المتلقين والمهتمين على حدّ سواء.
ولا يمكن -في حقيقة الأمر- أن يكون هذا الموهوب قد تعلم كيف يكون موهوبًا؟ أو كيف يمتلك موهبة إذا لم يكن هو في الأصل مزودًا بها فطريًّا، وقام فيما بعد بصقلها ورعايتها بكل ما هو نافع ومفيد وتنميتها بالفعل والتجريب؛ ليكون ذا دور إيجابي في التطوير والتغيير وخدمة الفن والإبداع في غير وقت وموقع.
لقد أشارت الكثير من الدراسات العلمية إلى أن الموهبة هي"نتاج التفاعل الديناميكي بين العوامل الوراثية والعوامل البيئية" [1] ، أي أنها تتلاقح مع ما هو فطري بما هو مكتسب وينتج عنها قدرات ومهارات ينفرد بها الموهوب دون غيره وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالذكاء الذي يعتبر -بحسب كاتل-"مزيجًا من السمات الإنسانية التي تشمل القدرة على استبصار العلاقات المعقدة والقيام بالوظائف الذهنية التي يتطلبها التفكير المجرد والقدرة على اكتساب خبرات جديدة" [2] .
ولا فرق حينئذ بين الرجل والمرأة في قدرات الذكاء أو الموهبة على العكس تمامًا، بل قد يتفوق أحدهما على الآخر، أو يتساويان في المهارات. وقد يتعدى الأمر هذا إلى فئة الاحتياجات الخاصة الذين وهبهم الله ملكة قد لا توجد لدى بعض الأصحاء ولم تتمكن الإعاقة من القضاء على مواهبهم، بل زادت من إصرارهم وتحدِّيهم وإبداعاتهم،"كالأعمى الموهوب الذي يرى ما لا يراه المبصر غير الموهوب" [3] ، كما هي موهبة الشاعر العباسي الكبير بشار بن برد الذي فَقَدَ بَصره، لكنه كان بصيرًا في الشعر وصاحب تجربة حداثية في كتابة القصيدة العربية ومتجاوزًا لعدد كبير من شعراء عصره.
(1) صبحي، تيسير، الموهبة والإبداع طرائق التشخيص وأدواته المحوسبة، (عمان: دار التنوير العلمي ودار إشراق للنشر والتوزيع، 1992 م) ، ص 222.
(2) صبحي، تيسير؛ وقطامي، يوسف، مقدمة في الموهبة والإبداع، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1992 م) ، ص 16.
(3) حمزاتوف، رسول، بلدي، ترجمة: عبد المعين الملوحي ويوسف حلاق، ط 3، (بيروت: دار الفارابي،2006 م) ، ص 225.