إن الشخص الموهوب بِغضِّ النظر عن جنسه ولونه وشكله هو بالفطرة إنسان غير عادي، يمتلك"مواهب خاصة وطرقًا للتلقي خاصة أيضًا؛ لأن الفن في حقيقته عمل غريزي لا تقوم به إلا أقليَّة من ذوي المواهب بين الناس" [1] . وسنلحظ حينئذ مؤشرات عديدة توحي بقدراته ومهارته، وأقلُّها: الانتباه، واليقظة في الذهن عندما يجذبه أمر ما، والانشغال بالتفكير فيه وتحليله وتشخيصه ومن ثم تحويله -إذا كان شاعرًا- إلى لحظات شعرية وفنية تخرج في شكل قصيدة.
لا يمكن لنا ونحن نتحدث عن الموهبة من دون الإشارة إلى ارتباطها بالعبقرية التي تُعدُّ"أعلى درجات الموهبة العقلية وتتضمن دلالات ومعاني خاصة بالندرة الاستثنائية والإنجاز العقلي المبكّر" [2] ، أي أن كل ما يمكن أن يندرج ضمن الابتكار العقلي في مرحلة أولية من عمر الإنسان يقع ضمن مفهوم العبقرية،"حتى وإن أخطأ كما يقول جميس جويس فإن خطأه يُعد مدخلًا إلى الاكتشاف" [3] .
لقد وضع بعض النقاد العباقرةَ من المبدعين تحت عنوان (العبقرية الفنية) ، ووصفوها بأنها تلك التي"تتجلى في قدرة الفنان على الدخول في فعاليات وحساسيات انفعالية تنقله إلى إنجازات جمالية بشكل فجائي" [4] . وعلينا هنا أن نتوقف عند هذا الفنان ونتساءل: هل وصل بالفعل إلى أعلى درجات الوعي العقلي؟! بناء على التعريف العام لمفهوم العبقرية.
إن الإجابة عن سؤال كهذا، ستتطلب في حقيقة الأمر الفحص والتدقيق في إنجاز ذلك الفنان ومراجعة ما قدمه وبخاصة في الشعر؛ فدرجات الموهبة في الشعر تختلف من شاعر إلى آخر. والقليل من الشعراء -في الواقع- من يصل إلى أعلى الدرجات ليصحَّ عليه حمل لقب (الشاعر العبقري) ، كما سيتطلب الأمر -أيضًا- قياس"مقدار التأثير الذي خلَّفه على المعاصرين واللاحقين، وليس من خلال مدى أخلاقية ذلك التأثير أو صدقه" [5] ؛ لهذا لم تكن العبقرية في الشعراء من السهولة بمكان،
(1) شرف، مرجع سابق، ص 15.
(2) سايمنتن، دين كيث، العبقرية والإبداع والقيادة، ترجمة: شاكر عبدالحميد، عالم المعرفة 176، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1993 م) ، ص 8.
(3) عبود، مرجع سابق، ص 511.
(4) شرف، مرجع سابق، ص 12.
(5) سايمنتن، دين كيث، مرجع سابق، ص 15.