إذ إن العبقرية الحقَّة هي أمر"نادر لدى الشعراء كما يقول بنيلوبي مري" [1] ، وسيكون علينا توخي إطلاق الألقاب على مواهب الشعراء وإلصاق العبقرية بجميع الشعراء؛ فكل عبقري موهوب بالضرورة وليس كل موهوب عبقريًّا بطبيعة الحال.
إن التهيئة المستمرة والاستعداد النفسي"وانتظار ما لا يُنتظر" [2] هي خاصية في نفس الشاعر الموهوب وهي ما تجعله سريع التعامل مع هاتف الإلهام الذي يأتي بلا موعد؛ فيستثمر تلك اللحظة ليلتقط فيها القصيدة، وهي لحظة تاريخية في حياة الشاعر إن لم يقبض عليها في حينها قد لا تعود ثانية إليه بنفس القوة والتأثير، لأن لحظة الإلهام هذه تُعد"منحة إلهية أو إشراقًا من قوة خارجية" [3] ، والشاعر -أي شاعر- لا يعلم بوقت حالة الإلهام هذه؛ فقد تهبط عليه في السيارة أو في المطعم أو في الطائرة أو في المنزل ... ليس لها وقت أو موقع وإنما"يدخل الشاعر إلى قصيدته من دون أن يمتلك من مفاتيحها شيئا يذكر سوى نوع من الدبيب المبهم للكلمات، وكثير من الشعراء يقفون مندهشين إزاء ما كتبوه وكأنه ينتمي إلى شخص آخر سواهم"، كما يعبر عن ذلك الشاعر اللبناني شوقي بزيع [4] ، إنها حالة غيبية منفصلة عن الواقع وداخلة فيه وتختص بالاحتضار الشعري وحده. والشاعر اليوم"إنسان يخلق أساطيره الخاصة بما فيه من موهبة أو إلهام أو قوة متخيلة. وهذه القوة لم تعد تأتيه من شيطان، أو من ربّة شعر، أو من السماء وإنما تصدر من قرارة نفسه، فذلك هو مركز الأسطورة وذلك هو اللاشعور" [5] .
ليس غريبًا -والحال هذه- أن نجد شاعرًا يسير على قدميه وهو يتمتم بينه وبين نفسه حتى ليظن من يراه أنه فاقد لعقله ومنفصل عن وعيه. وفي هذا يصف أفلاطون الشاعر بأنه"كائن أثيري مقدس ذو جناحين لا يمكن أن يبتكر قبل أن يتلقى الوحي والإلهام فيفقد صوابه وعقله" [6] . والأكيد أن الموهبة لا تبدأ عملها قبل أن تتلقى ذبذبات نفسية وعقلية تلهب الشاعر وتخرجه من حالته الراهنة
(1) مري، بنيلوبي، العبقرية تاريخ الفكرة، ترجمة: محمد عبد الواحد، عالم المعرفة 208، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون و الآداب، 2000 م) ، ص 17.
(2) قباني، نزار، قصتي مع الشعر، ط 9، (بيروت: منشورات نزار قباني، 2000 م) ، ص 123.
(3) شرف، مرجع سابق، ص 13.
(4) بزيع، شوقي، أبواب خلفية، (بيروت: دار الآداب، 2005 م) ، ص 191.
(5) عباس، مرجع سابق، ص 158.
(6) عكاشة، أحمد، آفاق في الإبداع الفني رؤية نفسية، (القاهرة: دار الشروق، 2001 م) ، ص 38.