إلى ما هو أبعد، ولربما تقمص الشاعر الحالة التي يصفها"وكأنه قد مسَّتهُ قوى خفية، فإذا كان يصف -مثلًا- مشهدًا من مشاهد الحزن فإنه يحزن ويتألم حتى يبكي" [1] ، ينفعل بما يريد التعبير عنه ويتألم كي يمتع الآخرين؛ فيتميز إنتاجه بالأصالة والصدق ويرتقي بمستوى أحلامه اليومية لتصير إنسانية، أي أن الشاعر"يتسامى بالأحلام الدنيا في حقيقتها الحسيّة فتفقد طابعها الفردي المحض وتصبح ممتعة للآخرين"، بحسب عالم النفس الشهير فرويد [2] .
إن الانفعال بالجمال وتأمل تفوقه الطبيعي يشعل الشاعر تلقائيًّا ويحفِّزه إلى إعمال خياله، ولا يأتي هذا الانفعال -في الغالب- إلا من"تعجب، أو تعظيم، أو غَمّ، أو نشاط كما يقول ابن سينا" [3] ؛ فتتملك الشاعر انفعالات تستحوذ على كيانه وحواسه، وتنعكس بالتالي على أفكاره الشعرية؛ وتنهال عليه المعاني والصور الفنية حال مخاض القصيدة.
من المؤكد أن لكل انفعال هزة نفسانية خاصة به، ومن الواجب والطبيعي أن تكون له كذلك صورة خاصة به من التعبير،"ولكن حيث توجد تلك الموهبة، أو العبقرية التي تؤهل صانع الكلام لأن يتطلع إلى شرف الشعر ترى عملية النظم نفسها تتطلب، بل تحدث حالة غير عادية من التأثر. وهذا بطبيعة الموقف، كما يحدث في انفعالات الحب والخوف والغضب والغيرة وما إليها" [4] .
لا جدال في أن الإنسان المبدع يمتلك قدرة كبيرة من الإحساس العالي والتفاعل الذاتي مع الأشياء في حينها والعودة إليها من طريق الخيال واسترجاع لحظاتها؛"فالشيء قد يكون محسوسًا عندما يشاهد ثم يكون متخيلًا عند غيبته، وقد يكون معقولًا عندما يتصور. والفرق بينها هو تفاوت القدرة على التجريد بين الحس والتخيل والعقل" [5] ، وتلك القدرة هي بالضرورة المؤشر الأمثل في فروق البشر الفردية وإمكاناتهم العقلية. والخيال السليم في هذا ما هو إلا"ملكة وطاقة في التحليل والكشف والابتكار والإبداع" [6] .
(1) المرجع السابق، ص 38 - 39.
(2) هلال، مرجع سابق، ص 351.
(3) الروبي، ألفت كمال، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين من الكندي حتى ابن رشد، (بيروت: دار التنوير، 2007 م) ، ص 113.
(4) أحمد، محمد خلف الله، من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، ط 3، (الرياض: دار العلوم، 1984 م) ، ص 94.
(5) الروبي، ألفت كمال، مرجع سابق، ص 51.
(6) الشنطي، مرجع سابق، ص 334.