إن الخيال القوي يمارس دورًا كبيرًا في صناعة العملية الإبداعية برمتها، ويشير إلى صحة الموهبة الشعرية ولياقتها، حتى حين يصف الشاعر أمرًا مستحيلًا فإنه"يسامح على ذلك كما يقول أرسطو إن كان يهدف إلى إحداث تأثير أكثر إدهاشًا وتصويرًا لما ينبغي أن يكون" [1] ، ولا شك أن الشعراء في تركيبتهم السيكولوجية يتبعون مخيلتهم وهواجسهم"ويعبِّرون عن الواقع من اللاواقع" [2] . وهذا ليس في شعرنا الحديث فقط بل إنه يعود إلى شعراء العصور الأدبية المختلفة حتى امرئ القيس ورفاقه من الشعراء الجاهليين، ومن يتتبع قصائدهم سيكتشف انقياد الشعراء لمخيلتهم طواعية مستسلمين للحالة الشعرية وتداعياتها المختلفة، وربما فاجأ الشعراءُ المتلقينَ بعجائب خيالية غير متوقعة أو مألوفة. وتاريخ الأدب العربي يخبرنا عمَّن ادعى النبوة ومن سافر إلى الآخرة وفصَّل ما فيها وخلاف ذلك.
"إن قوة الخيال الشعري أسمى الملكات الإنسانية-بحسب كولردج- وهي تتخذ أشكالًا مختلفة، منها العاطفي العنيف، ومنها الهادئ الساكن. والوحدة التي تحققها قوة الخيال تشبه الوحدة التي تنشئها الطبيعة وهي أعظم عند الشعراء جميعًا، وتكون وظيفة الخيال العمل على التوازن بين العاطفة والصورة وبين الشعور واللاشعور وأن يحقق بينهما الانسجام والوحدة" [3] .
لقد منح الله بعضًا من الشعراء مخيلة قادرة على العمل حتى وقت اليقظة، وهذا المبدع يُعد -في حقيقة الأمر-"صاحب مخيلة قوية نشيطة لا يصرفها انشغالها بالحواس أو بالقوة المفكرة عن أداء عملها الذي تقتضيه طبيعتها الابتكارية" [4] ، وهو ما يوضح ما سبقت الإشارة إليه في مقياس درجة موهبة الشاعر وقواه العقلية وسلطته على إدارتها وتوجيهها.
لكننا -وفي الجهة المقابلة- سنجد أن بعضًا من الشعراء من يقف خياله على حدود الأشياء لا جواهرها، لا يرتقي بالشعر أو يؤثر في نفوس المتلقين، بل ربما أسهم خياله السقيم في إفساد الشعر والذائقة معًا وإحالة النص إلى ما يشبه الهلوسات والتمييع في الصور والمعاني وإلحاق الأذى بالكلمات، ولهذا وغيره تبقى صحة الخيال مؤشرًا على سمو القصيدة وسلامة موهبة الشاعر من الضعف أو الانطفاء.
(1) أرسطو، فن الشعر، ترجمة: إبراهيم حمادة، (القاهرة: دار هلا للتوزيع، 1999 م) ، ص 46.
(2) قنديل، شعلة، غاستون باشلار، ترجمة: خليل أحمد خليل، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،1995 م) ، ص 93.
(3) أحمد، محمد خلف الله، مرجع سابق، ص 213.
(4) الروبي، مرجع سابق، ص 64.