لا ريب أن الشاعر - أي شاعر- يمتلك ذاكرة من طراز خاص تحتفظ بتفاصيل دقيقة ومواقف مختلفة تؤثر في حالته الوجدانية والإبداعية، ولا يمكن أن تمرّ على موهبته الشعرية من دون أن تستثمر ما يمكن أن يتحول إلى لحظة شعرية، وتسعفه مخيلته في الاستحضار والتهيؤ؛ فتنهال عليه المعاني والكلمات ويترجمها جديًّا من خلال الشعر.
إن طبيعة المحفز الداخلي ترتبط بالشاعر مباشرة، وتستقصد موهبته وتستنفرها، وفي اللحظة التي تَحلّ فيها حالة الإلهام الشعري يتفجر الإبداع ويلجأ المبدع لا شعوريًّا إلى تفريغ ما بداخله والتنفيس عن هواجسه في القصيدة، سواء أكانت تلك المحفزات نفسية، كالألم، والغربة، والطفولة، والموت، والحب. أم اجتماعية لا يمكن للشاعر الفكاك منها، كالأسرة، والقبيلة، والأصدقاء، والوظيفة، -مما سنتناوله في هذه الدراسة-"ولا شك أن استكشاف الفنان/ الشاعر، لذاته إنما هو قبل كل شيء ارتياد وكشف للذات الإنسانية أو الذات الكامنة في كل فرد منا" [1] .
من المؤكد أن جودة استثمار محفز الشعر تعود إلى درجة موهبة الشاعر وسرعة استجابته لتلك المحفزات وهو ما سيكشف لنا عن مقدار حالاته الانفعالية وارتفاع أو انخفاض مزاجه الإبداعي وابتكاره الفعلي للصور الشعرية في النص.
(1) أحمد، محمد خلف الله، مرجع سابق، ص 210.