تحضر القرية في الشعر مثلما تحضر المدينة، لكنها أقل سلبية في نفوس الشعراء وأكثر استبشارًا وسعادة، ولا يمكننا أن نتخيل شاعرًا عاش بين حقولها وأوديتها من دون أن يوظفها فنيًّا في القصيدة، وبخاصة حين يغادرها ويغيب عنها طويلًا لظروف وتحديات مختلفة.
إن شاعرًا كعبد الله الخشرمي، تسري في عروقه تفاصيل القرى وذكرياتها، ما جعله يخصص ديوانًا كاملًا"الملحمة الحشرمية"، يستحضر فيه قريته والقرى المجاورة لها في أعالي جبال السراة بمنطقة عسير جنوب غرب السعودية، ومن المجموعة نقتنص قصيدة"عصاة" [1] -من الشكل الشعري قصيدة التفعيلة-:
"لم تزل في دمي شعللات البنادق"
قل: ما الذي ظل في قريتي:
"قترة"باح دخانها
حزنها في شقوق البيوت
بقايا نوافذ يسكنها العنكبوت
وماذا اقترفناه؟!!
في غفلة من زمان صموت
عمائر عقّت شموخ الجبال
تُقلّد وجه المدينة
إسمنتها دكّ حصن المداميك
لوّث طين البلاد وحزّ بكارتها
ها أنا الآن ... أشهد يا قريتي:
إنني أول المذنبين العصاة لعينيك
بعض غبار أتينا وعدنا غبارًا
صنعنا بيوتا معلبة سلبت نشوة الأرض
(1) الخشرمي، عبدالله، الملحمة الخشرمية، (بدون دار نشر، 2009 م) ، ص 71.