لا يمكن للشاعر أن يتجاهل البيئة التي يعيش فيها، أو المكان الذي مرّ عليه وترك أثره في نفسه، حتى وإن لم يتفاعل معه منذ اللحظة الأولى، فإنه سيجد نفسه في يوم ما يستلهمه ويستحضر تفاصيله الدقيقة ومكوناته الهامشية بواسطة خياله ويعبر عنه من خلال الشعر، وكثير من الشعراء يبدع في تحليل ووصف تلك المواقع، واستدعاء المتلقي للتعايش والانسجام معها.
أولًا: المدينة
يكشف لنا الشاعر عيد الخميسي عن الوجه الحقيقي لإحدى المدن (الكوزوموبوليتية) [1] ، وهي مدينة جدة، عبر حي (البوادي) الذي منحه الشاعر مجموعة شعرية باسمه، وقدم لنا تفاصيله الدقيقة، وسكانه المسحوقين والكادحين في لوحات شعرية لافتة، متفاعلًا مع حالة الإبداع، ومتكئًا على ذكريات الحي التي تلتصق به ويحتفظ بدقائقها في مخيلته، ثم يكتب قصيدة"فم المريض" [2] -من الشكل الشعري قصيدة النثر-:
"فم المريض الذي ملأته الدمامل وبنت عليه الفطريات،"
الذي يفتحه الآن وهو يظن أنه أمام طبيب
فيما يقعد أمام رحالة يعرف أجناس الإبل ..
هو (البوادي) مقعية على أربع أسفل شارع (الثمانين) ..
هو ذاته الفم الذي تصطف في حنكيه بيوت متوالية
يتوسطها لسان أسود ينز منه الماء الآسن،
هو ذاته الفم الذي يضحك ويمتلئ بالحكايا والشعوذات ..
التي لن تصل إلى عابر انفتح أمامه, لبرهة, شِقٌّ الباب الأزرق فولجه،
كما ولج مصريون بملابس مرحة ووجوه ملطخة بالإسمنت مرتين (منتصف السبعينات وبداية التسعينات) ..
ولجه أفغان بأرجل مقطوعة وعمائم لشجيرات بيضاء مقلوبة
وعبروه وهم يجسون الشوارع
(1) متعددة الأعراق والأجناس.
(2) الخميسي، عيد، البوادي، (بيروت: دار طوى ودار الانتشار العربي، 2007 م) ، ص 27.