إن ما تجدر الإشارة إليه هو أن انفعال الشاعر بمحفزات الإبداع لا يأتي بالضرورة من أشياء كبيرة أو مواقف عظيمة بل ربما حدث ذلك الانفعال من"تأثير بسيط أو تافه يوجه الطاقة الفاعلة وينتقل بالعاطفة من مجرد المشاعر الوجدانية الهادئة إلى السلوك التعبيري اللغوي" [1] . والشاعر الموهوب دائمًا ما يكون جاهزًا بمعجمه اللغوي ولا يحتاج إلى وقت للتفكير في استثمار محفز الشعر، بل إنه يستشعر ذلك ويتفاعل معه منذ الشرارة الأولى؛"فالانفعال بالتجربة الشعورية يسبق التعبير عنها، ويكون هذا الانفعال من التوهج والحرارة والإشراق بحيث يغمر إحساس الشاعر ويجعله في شبه نشوة أو في نصف غيبوبة وعندئذ يتم التعبير اللفظي عن هذه الحالة الشعورية بنصف وعي وبدون اختيار" [2] .
لا ريب أن الشاعر في ما سبق يُعذر على ردة فعله تجاه ما يراه وما يقوم به من تصرفات حال ولادة القصيدة؛ فهو في داخله يشتعل ويحترق، وتلعب الحواس دورًا بالغًا في إيقاد الخيال"وتبدو المنبهات الخارجية الجمالية أو اللاجمالية قادرة على استثارة استجابات التأمل والتخيل والتأويل والانفعال وتثير الذكريات والصور الذهنية المختزنة" [3] . والعاطفة الصادقة في هذا تقف سندًا لتلك الحالة وتعزّز من فاعليتها، وتكون قابلية انفعال الشاعر حينئذ مرتبطة بدرجة موهبته ولياقتها المستمرة وهو ما سيترجم عنه بعد ذلك في قصيدته وينعكس بالضرورة على أدائه الشعري كله.
(1) شرف، مرجع سابق، ص 95.
(2) قطب، سيد، النقد الأدبي أصوله ومناهجه، ط 8، (القاهرة: دار الشروق، 2003 م) ، ص 44.
(3) شرف، مرجع سابق، ص 96.