أن عينك تسقط على قاع الشيء وتجده خاليًا منها.
غيابها لا يؤثر فيك أبدًا حتى وإن كنت تمضي من حجرة إلى أخرى
دون أن تدري سببًا لذلك، أو تشرب شايًّا أكثر من المعتاد،
حتى وإن كانت سجائرك تنفذ أسرع مما اعتدت أن تفعل،
فذلك لا يعني أن غياب امرأة قد أثر فيك أو خرج بالأمور عن طبيعتها.
ليس في وسعك القول أن غيابها يشغلك، أو أنك تكترث لهذا الغياب.
صحيح أنك ترغب لو أنها قريبة منك، وتودّ لو تتحدثان في أمور وإن كانت تافهة،
أو يعمق صمتكما حتى لتسمع صوت تنفّسها.
غيابها لا يشغلك ولا يمكن أن يكون كذلك،
كل ما في الأمر أنك لا تسمع صوتها،
أن وجهها لم يعد مرئيًّا، أن يدك التي تمدها لا تلمس غير غيابها،
وأنك تدرك عمق العبث بفكرة الشروع بمناداتها،
تدرك أن غياب امرأة لا يُعد شاغلًا للذي يؤمن مثلك أن غيابها يسير جدًّا،
وأنه ليس أكثر من أن امرأة غابت ولم تنس أن تأخذ معها
صوتها وصمتها، رائحتها، ضحكتها، اضطرابها وأشياء أخرى؛
تركت المكان عاريا ولم تدع لك حتى مجرّد قدرتك على التفكير فيها،
لم تدع لك إمكانية إن تنشغل بها أو تكترث.
غيابها لن يكون أكثر من تفاقم وحدتك، تتأمل مكانًا خاليًا لا تدري ما تفعل به.
غيابها، أو سعيك في المكان؛ تحسب، أو تملأ نفسك ذاتها بوهم الالتفات حول ظرف غيبتها، تروح تفتح النوافذ استجلابًا للهواء بعد أن اقتحمت مياهُ غيبتها رئتيك،
فلا أحد يتحدث إليك ولا تتحدث إلى أحد، ولا ترغب لا تريد، أو لا تحسن التصرف
في المساء الخالي الذي يملأ يديك. كل ما هنالك أن الوقت يمر تحت عينيك،
كما كان قبل غيابها، وأن ذلك الغياب لا يُعد عقبة تعترض طريقه،
وأن بشرتها ليست في مطال اليد، أن صوتها لا يقرع أذنك
وأنك قلق قليلًا حيال أمور غامضة لا تتعلق بغيبتها التي تزمع فصلها عن جسدك،