فمن الحكمة التفريق بين الضرر المتعدي والضرر القاصر، وبين من يصدر المنكر ومن يفعله، وبين من يُردع ومن يُتألّف من الناس، ونحو ذلك؛ فإن معرفة هذا من أهم ما يعين الداعية على أن يكون حكيمًا في كيفية الإنكار ومراعاة الاختلافات والفروقات.
ومن مفاتيح الحكمة وهو مفتاح مهم جدًا: أن تعرف مقدار المنكر ومرتبته في دين الله سبحانه وتعالى، وأن تفرق بين المنكر الذي أشتد نكير الناس عليه للعادة، وبين المنكر الذي اشتد النكير عليه لأجل أمر الله سبحانه وتعالى، فبعض المنكرات تكون عند المجتمعات منبوذة، وعادة المجتمع يكرهها، ولكنها في الأحاديث النبوية والنصوص الشرعية لم يغلظ عليها كما غلظ على غيرها، فانظر إلى النصوص الشرعية وأنت متجرّد عن العادات والأعراف لتضع كل منكر في نصابه.
ومن مفاتيح الحكمة: أن تعلم أن النصيحة والدعوة ثقيلة على المدعو فتخففها، فكل مدعو يحس بالنقص أثناء دعوته، وينظر إلى الداعي على أنه مُوجّه ومعلم، فينبغي عليك أن تخفف هذه الشدة والحدة على المدعو، وذلك باستخدام أساليب الدعوة، فالدعوة ثقيلة بذاتها، ويزداد ثقلها من شخص لآخر، فالصغير حينما يدعو الكبير يزداد ثقل الدعوة على نفس الكبير؛ لأن النفس تأنف من أن ينبهها من هو أصغر منها، فإن استطعت أن تستعيض بغيرك ليقوم عنك فهو أحب، الابن حينما ينصح والده فإن ذلك يكون ثقيل على الوالد فإنه يحاول بتخفيف ذلك، أن يطلب من بعض أصحاب والده بأن يقوموا هم بالإنكار أو أن ينكر هو لكن بطريقة مناسبة وأسلوب مؤدب.
كذلك الدعوة في وسط الجماعة ثقيلة، فخففها بالدعوة الفردية، أحيانًا تخفف الدعوة بأن لا تذكر اسم الداعية، بأن تنصح الذي تريد نصحه بأن تكتب النصيحة بورقة دون أن تذكر اسمك، أو تأمر غيرك أن يسلّمها، المقصود من ذلك أن تسعى لتخفيف الدعوة على المدعو بما تستطيع وبمختلف الوسائل والأساليب.
ومن التخفيف: ألّا تطيل في النصيحة، ولا تعيد وتكرر لا سيما في المرة الأولى.
وكما ذكرنا في بادئ هذا الفصل أن باب الحكمة باب واسع، وإن أردت أن يفتح الله عليك في هذا فاقرأ في سير المحتسبين الناصحين، وأولهم إمام المحتسبين - صلى الله عليه وسلم -، وسنختم هذا الكتاب بذكر بعض مواقفه - صلى الله عليه وسلم - على عجل لتأخذ منها الدرس والعِبَر.