وقال السخاوي:"وظاهر تسمية البيهقي كتابه المشتمل عليهما (بمعرفة السنن والآثار) معهم، وكان سلفهم فيه إمامهم، فقد وجد ذلك في كلامه كثيرًا، واستحسنه بعض المتأخرين، قال: (لأن التفاوت في المراتب يقتضي التفاوت في المترتب عليها، فيقال لما نُسب لصاحب الشرع: الخبر، وللصحابة: الأثر، وللعلماء: القول والمذهب) ، ولكن المحدثين كما عزاه إليهم النووي في كتابيه يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف، وظاهر تسمية الطحاوي لكتابه المشتمل عليهما (شرح معاني الآثار) معهم، وكذا أبو جعفر الطبري في (تهذيب الآثار) له إلا أن كتابه اقتصر فيه على المرفوع وما يورده فيه من الموقوف فبطريق التبعية" [1] .
وقد لخص الحافظ ابن حجر كلام أهل الاصطلاح في الفرق بينهما فقال:"الخبر: عند علماء هذا الفن مرادف للحديث، وقيل: الحديث ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثمّة قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: الإخباري، ولمن يشتغل بالسنة النبوية المحدث، وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر من غير عكس، وعبّر هنا بالخبر ليكون أشمل" [2] .
ويظهر لي مما تقدم ومن عموم كلام علماء الحديث في هذين المصطلحين، وفي تصرف العلماء وتطبيقاتهم في كتبهم بشأن مرادهم بالأثر والخبر، أنه لا مشاحّة في الاصطلاح، وأن هذه المعاني المتقدمة للأثر والخبر قد استعملها متقدمو المحدثين، وإن كان الغالب من تصرفهم ما قرره النووي رحمه الله من أن الأثر يطلق ويراد به المرفوع والموقوف، وجاء ما يدل على ذلك عن الإمام الشافعي، وهو ظاهر في تسمية وتصرّف كبار المحدثين في كتبهم كالطبري والطحاوي والبيهقي، ولا مجال في هذه المصطلحات للترجيح أو تقديم اصطلاح على آخر، بل المتعين هو معرفة مراد كل طائفة من استعمالها لهذا الاصطلاح، ليمكن فهم كلامهم على وجهه، وبالله التوفيق.
(1) فتح المغيث 1/ 124.
(2) نزهة النظر ص 37، وانظر اليواقيت والدرر 1/ 228، وشرح نخبة الفكر للقاري ص 154، وتدريب الراوي 1/ 29.