فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 1051

إلا بسبب البعد عن مشكاة النبوة، وفقه الصحابة الكرام والتابعين، وصاحب ذلك التعصب المذهبي، وتعلق طلاب الفقه بتخريجات متأخري الفقاء، وتفريعاتهم، التي تخالف حتى أقوال أئمة مذاهبهم في القرون المفضلة [1] ، فضلًا عن أنه فاتهم علم كثير غفلوا عنه في أقوال الصحابة والتابعين، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية من العلماء الذين وصفوا بالاجتهاد، وأثنى عليه سائر المنصفين من علماء المذاهب الأربعة، ونعتوه بالتبحر في العلم والشريعة، وكان يتكلم في سائر مسائل الفقه والدين بما يثير عجب المستمع إليه، ويستدل على ما يقول من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفعل الصحابة ومن بعدهم، ولم يبلغ هذه المنزلة إلا بعد تبحره في علم الصحابة والتابعين، واستقرائه لكلامهم [2] ، وكان كثيرًا ما يستدل بآثار الصحابة من المصنفات في ذلك لاسيما مصنف ابن أبي شيبة وعبدالرزاق وسنن سعيد بن منصور ونحوها، وكان يشهد أن أقوال الصحابة ليس فيها ما يخالف القياس -أي النظر الصحيح الموافق لأصول الشريعة ومقاصدها- قال ابن القيم عنه:"قال شيخنا: وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها، واعتبر هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط، فالمنقول فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال وعليه يدل الكتاب والسنة والقياس الجلي، وكل قول سوى ذلك"

(1) قال ابن القيم:"وإنما المتأخرون يتصرفون في نصوص الأئمة ويبنونها على ما لم يخطر لأصحابها ببال، ولا جرى لهم في مقال، ويتناقله بعضهم عن بعض، ثم يلزمهم من طرده لوازم لا يقول بها الأئمة، ومنهم من يطردها ويلتزم القول بها، ويضيف ذلك إلى الأئمة، وهم لا يقولون به فيروج بين الناس بجاه الأئمة، ويفتى ويحكم به، والإمام لم يقله قط بل يكون قد نص على خلافه"الطرق الحكمية ص 336. وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب:"أكثر ما في الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه، فضلًا عن نص رسوله - صلى الله عليه وسلم -، يعرف ذلك من عرفه، وقال [هكذا في حاشية ابن قاسم] نحو ذلك في كتب المتأخرين من أهل المذاهب، ولشيخ الإسلام عن أهل عصره نحو ذلك، فيكف بكتب عصرنا"مقدمة حاشية ابن قاسم على الروض المربع 1/ 17، والمدخل المُفصّل إلى فقه الإمام أحمد 1/ 49 - 50.

(2) ومن تأمل كلامه في مسألة الحلف بالطلاق واجتهاده فيها واستقراءه لكلام السلف حيث أطال النفس فيها، قال في مجموع الفتاوى 33/ 45:"وكذلك تنازعوا فيما إذا حلف بالنذر لكن هذا النوع اشتهر الكلام فيه عن السلف من الصحابة وغيرهم بخلاف الحلف بالطلاق فإن الكلام فيه إنما عرف عن التابعين ومن بعدهم وتنازعوا فيه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت