فمخالف للنصوص مناقض للقياس، وكذلك في مسائل غير هذه، مثل: مسألة ابن الملاعنة، ومسألة ميراث المرتد، وما شاء الله من المسائل، لم أجد أجود الأقوال فيها إلا أقوال الصحابة وإلى ساعتي هذه ما علمت قولا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه" [1] ."
وللصحابة سبقٌ وفضل لا يدركه من بعدهم، كما أن لهم فقهًا وفهمًا وإصابةً لا يدركها من جاء بعدهم كائنًا من كان.
ولذلك قال ابن القيم معلقًا على كلام ابن مسعود رضي الله عنه في وصفه للصحابة بأنهم أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا:"ومن المحال أن يحرم الله أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا الصوابَ في أحكامه، ويوفق له من بعدهم!!" [2] .
لذا كان ينبغي أن يُجمع هذا العلم ويخدم بما يليق به، ويقرب لأهل العلم وطلابه حتى ينهلوا منه، ويرجعوا لتوثيق الأقوال المروية عن الصحابة عند الحاجة إليها، لاسيما وأن كتب الفقه المطولة تُعنى بنقل قدرٍ كبير من هذه الأقوال دون توثيق، إضافة إلى أنه قد خرجت بحوثٌ كثيرة فيها إفراد لفقه المكثرين من الصحابة، كالخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، لكنها لم تخدم من حيث التصحيح والتضعيف، لاسيما وأن الصحابي الواحد يُنقل عنه أحيانًا أكثر من قول في المسألة، وبعد الدراسة والتمحيص يتبين أن القول الصحيح الموافق للأصول هو الثابت عن هذا الصحابي وأن القول الآخر الضعيف، هو المخالف للأصول؛ مما يدل على خطأ الراوي الضعيف الذي نسب هذا القول لهذا الصحابي الجليل، مما ستأتي أمثلته في ثنايا البحث، وبهذا العمل يمكن أن يُدفع عن الصحابة رضوان الله عليهم ما لا يصح نسبته لهم من أقوال.
وكل ما سبق ذكره وغيره دعاني أنا وأخواني لمشارورة أساتذتنا الكرام في قسم الكتاب والسنة، وأخذ رأيهم في خوض غمار هذا النوع من الدراسة، وقد شجّع غالب الأساتذة
(1) إعلام الموقعين 2/ 57.
(2) إعلام الموقعين 4/ 139، وسيأتي تخريج ابن مسعود رضي الله عنه ص 45.