"أحدها: ثناء الله عليهم من غير مثنوية [1] ، ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها، ففي الأولى إثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضى باستقامتهم في كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، وفي الثانية إثبات العدالة مطلقًا؛ وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى، ولا يقال: إن هذا عام في الأمة فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم؛ لأنا نقول" (أولًا) ليس كذلك، بناءً على أنهم المخاطبون على الخصوص، ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر، و (ثانيا) : على تسليم التعميم، أنهم أول داخل في شمول الخطاب، فإنهم أول من تلقى ذلك من الرسول عليه الصلاة والسلام وهم المباشرون للوحي" [2] ."
ومن ذلك قول الله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} [التوبة -100] .
ووجه دلالة هذه الآية على عدالتهم، أن الله تعالى أخبر أنه رضي عنهم ولا يثبت رضاه إلا لمن كان أهلًا للرضا، ولا توجد الأهلية لذلك إلا لمن كان من أهل الاستقامة في أموره كلها عدلًا في دينه [3] .
قال ابن النجار:"فإن قيل هذه الأدلة دلت على فضلهم، فأين التصريح بعدالتهم؟ فالجواب: أن من أثنى الله سبحانه وتعالى عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلًا؟! فإذا كان التعديل يثبت بقول اثنين من الناس، فيكف لا تثبت العدالة بهذا الثناء العظيم من الله سبحانه وتعالى، ومن رسوله - صلى الله عليه وسلم -" [4] .
وقال تعالى عن الذين بايعوا تحت الشجرة [وكانوا ألفًا وأربعمائة] :
{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح - 18]
(1) أي من غير استثناء.
(2) الموافقات للشاطبي 4/ 447 - 448.
(3) انظر عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة 2/ 803.
(4) شرح الكوكب المنير 2/ 475.