الصورة الثالثة: قول الصحابي على غيره إذا لم ينتشر.
فهو حجة مقدم على القياس عند الأئمة الأربعة [1] ، وقد تقدم الكلام عليه في المبحث السابق.
وقد جمع شيخ الإسلام الكلام على الصور السابقة فقال:"وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء، وإن تنازعوا رُدّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء، وإن قال بعضهم قولًا ولم يقل بعضهم بخلافه، ولم ينتشر، فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به، كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه، وفى كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع، ولكن من الناس من يقول هذا هو القول القديم" [2] .
وقال الشاطبي:"جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل فقد جعل طائفة قول أبي بكر وعمر حجة ودليلًا، وبعضهم عد قول الخلفاء الأربعة دليلًا، وبعضهم يعد قول الصحابة على الإطلاق حجة ودليلًا، ولكل قول من هذه الأقوال مُتعلَّق من السنة، وهذه الآراء وإن ترجح عند العلماء خلافها ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلي هو المتعمد في المسألة، وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة ويتكثرون بموافقتهم وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة، وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم وقوة مآخذهم دون غيرهم، وكبر شأنهم في الشريعة، وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم، فضلا عن النظر معهم فيما نظروا فيه" [3] .
(1) شرح الكوكب المنير 4/ 422 وحاشيته، وانظر أصول مذهب أحمد ص 435.
(2) مجموع الفتاوى 20/ 14.
(3) الموافقات 4/ 456 - 457، وانظر المحصول 6/ 174.