وهذا أبو محمد النابلسي -رحمه الله- في وقت العبيديّين قالها صريحة؛ فأمسكوه وأخذوه وقالوا له:"أنت الذي تقول أنّ الذي عنده عشرة أسهم يرمي النصارى بتسع أسهم وفي العبيدين بسهم؟"، فقال لهم:"ما قتلها، أنا قلت أنّ الذي عنده عشرة أسهم؛ يرمي الكفّار بسهم ويرمي العبيديّين بتسعة أسهم".
صدع بالحقّ، فأمسكوه وقطّعوه، وكان الذي يقطّع جسمه يهوديًا، يقول: فلمّا وصلت إلى قلبه طعنته حتى لا أتعذّب بتعذيبه.
فكيف اليوم؛ في إخراج المسلمين من ورطة الكافرين والمنافقين، أنريدها باردة مبرّدة؟!
قال تعالى: {أمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [1] ، الرسول الذي يأتيه الوحي ليلًا ونهارًا يستيئس من نصر الله ويستبطئ نصر الله!.
{حتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [2] . هذا رسول يقول: متى نصر الله؟!
وعندما وعد الله المؤمنين بهذا وجاءت الأحزاب في المدينة، وأصاب المؤمنين البلاء، {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [3] .
وتمحّص في غزوة الأحزاب ثلاثة فرق؛ الكفار الذين أتوا ليأخذوا المؤمنين، ثم المنافقين الذي اختبأوا في المدينة، ثم المؤمنون، وانظر إلى ما قال الله عنهم: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [4] .
الفتن تزيد أهل الإيمان إيمانًا؛ {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} ، فهل عندنا تحقيق للإيمان فعلًا؟
(1) سورة البقرة: 214.
(2) سورة يوسف: 110.
(3) سورة الأحزاب: 10 - 11.
(4) سورة الأحزاب: 22.