وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) فجعل محل الإيمان هو القلب، وعمل الجوارح ليست من الإيمان!!! ... ** وجواب ذلك أن يقال: ليس في الآية ما يشير إلى إخراج عمل الجوارح من الإيمان، بل غاية ما فيها هو التأكيد على ضرورة الاعتقاد القلبي في ثبوت الإيمان، فالآية في الحقيقة حجة على من استدل بها، لا حجة له؛ وذلك من وجهين: ... 1 - الأول: ما ذكره الطبري بقوله: إنما أُمر النبيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم -بذلك؛ لأن القوم كانوا صدَّقوا بألسنتهم، ولم يَصدّقوا قولهم بفعلهم، فقيل لهم: قولوا أسلمنا؛ لأن الإسلام قول، والإيمان قول وعمل. فهذا أولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، وهو مذكور عن الزهريّ، وهو أن الله تقدّم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارا منهم بالقول، ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا آمنا بالله ورسوله، ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يشكل على سامعيه والذي قائله فيه محقّ، وهو أن يقولوا أسلمنا، بمعنى: دخلنا في الملة لحفظ الأنفس والأموال بالشهادة الحق [1] . ... 2 - الثاني: ما ذُكر في الآية التي تليها مباشرة، في قوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادقون} فلقد جعل الجهاد بالنفس والمال من الإيمان، وهى أعمال جوارح، فتأمل. فائدة: اعلم أن من قال بإحدى هذه العبارات فقد وقع في الإرجاء أو دخلت عليه شبهته:
1 -الإيمان تصديق بالقلب فقط. (جهمية)
2 -الإيمان نطق باللسان فقط. (كرَّامية)
(1) بتصرف يسير من جامع البيان في تأويل القرآن (22/ 313)