كان كذلك يكون العمل بالقرينة غير جائز، لأنها، ستكَون نوعا من أكذب الحديثَ كما جاء في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» [1] .
وكما يقول أحد الفقهاء المعاصرين: يمكن صياغة الدليل على شكل قياس من الشكل الأول: فنقول: القرينة تفيد الظن، والظن مذموم شرعا، فالنتيجه أن القرينة مذمومة شرعًا، وإذا كانت كذلك فلا يصح أن تكون وسيلة للإثبات [2] .
مناقشة الاستدلال بتلك الآيات الكريمة:
ويرد على استدلال المانعين للحكم بالقرينة بتلك الآيات الكريمة: أن الظن
المنهي عنه فيها، هو الظن المذموم، وهو الوارد في مجال العقائد، لأنها، لا تثبت بالظن إجماعًا، وذلك مثل معرفة الإله ومعرفة صفاته، حيث يشترط في كل ذلك أن يكون مبنيًا على العلم والاعتقاد الجازم، والظن المذموم ليس كذلك [3] ، أو هو الظن السيئ الذي يبني الشخص حكمه عليه أو الشك الذي يدفع صاحبه للولوغ في أعراض الناس من غير حجة يستند إليها ظنه [4] ، والعمل بالقرينة للوصول إلى الحق ليس من هذا القبيل، فلا يكون داخلًا في إطار الذم المدلول عليه فيها.
(1) بما رواه ابن ماجه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لو كنت راجما أحدِا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقَها وهيئتها ومن يدخل عليها» [5] .
ووجه الدلالة في هذا الحديث الشريف على المطلوب:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقم حد الرجم على امرأة رغم ظهور القرائن الدالة على تورطها في إثم الزنا، وظهور التهمة في منطقها ومنظرها ومن يدخل عليها، فدل ذلك على أنه لا يجوز العمل بالقرينة.
مناقشة الاستدلال بالحديث:
ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقم برجم تلك المرأة
(1) سبل السلام للصنعاني- جـ 4 ص 189 وما بعده، صحيح مسلم بشرح النووي- جـ 96 ص 118.
(2) د. محمد رأفت عثمان- النظام القضائي في الإسلام- ص 469 وما بعدها.
(3) في هذا المعنى: العز بن عبد السلام- قواعد الاحكام في مصمالح الأنامَ جـ 2 ص 52.
(4) د. محمد رأفت عثمان- السابق ص 47.
(5) نيل الأوطار للشوكاني- جـ 7 ص 117.