المطلب الثاني
تحرير محل النزاع
ويبدو من النقول الفقهية في مسألة الإكراه على الإقرار بالتهمة أن الفقهاء يفرقون في الإقرار بين حالتين، وأساس تلك التفرقة قائم على أن الاتهام قد يكون مجردا، وقد يكون غير مجرد.
أولًا: الاتهام ا لمجرد:
وهو الاتهام الخالص من الشوائب التي تضع صاحبها في وضع يغلب على الظن معه أنه قد ارتكب الفعل الذي اتهم بإتيانة, وهذا النوع من الاتهام المجرد، لا يجوز فيه المساس بالمتهم ولا أن يفعل به أدنى أذى يمكن أن يمس بإرادته، أو يؤثر على اختياره في صدق الأخبار بما يريد أن يقر به اعترافًا بالحق وانتصافًا للعدل وإبراء للذمة أمام الله في الدنيا اتقاء لفضيحة الآخرة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ويوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، وذلك لما قرره الفقهاء من أن المساس بإرادة المقر بما يفقده اختياره مما يبطل الإقرار ويهدر حكمه، وقد قامت الأدلة على ذلك من كتاب الله تعالى، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وإجماع علماء أمته، والمعقول، وإذا كان حكم الإقرار الذي فسد الاختيار فيه بإلحاق التعذيب بالمقر باطلًا وهدرًا على نحو ما قامت عليه الأدلة الشرعية المعتبرة، وقرّره الفقهاء في مذاهبهم فإنه يكون حرامًا، لما هو مقرر أن تعاطى التصرفات الباطلة يعد أمرًا محرمًا لو رودها على غير المنوال الذي يقرره الشارع، وسوف نبين ذلك في دراسة أوفي بالمبحث التالي إن شاء الله.
ثانيا: اِلاتهام المبني على قرينة:
وهذا النوع من الاتهام يختلف عن الاتهام المجرد، في اقترانه بدليل يرجح جانبه ويجعل المتهم في وضع يغلب على الظن معه أنه قد أتى بالفعل، ولما كان أمره كذلك، ونظرًا لوجود القرينة الدالة على ترجيح جانب التهمة بحق من تدينه تلك القرائن، فإنه قد وقع الخلاف بشأنه بين أهل العلم، بيد أننا قبل بيان تفصيل ذلك الخلاف، يجدر بنا أن نشير إلى تعريف القرينة وأدلة العمل بها فنقول:
والقرينة لغة: تعنى المصاحبة والزوجة، يقال: قارنته أي صاحبته وتسمى الزوجة قرينة، فيقال: فلالة قرينة فلان، بمعنى زوجته، وهي كذلك لأنها تعاشر زوجها وتصاحبه طوال