على أنهم فهموا من موارد الشرع ومصادره أن لله -تعالى- سرا في تضييق سبل الكشف عن الفواحش [1] .
استدل أصحاب القول الثاني لما ذهبوا إليه من المعقول فقالوا:
إن المدعى عليه إذا سئل عن المدعى به فسكت ولم يجب بشيء لا إثباتًا ولا نفيًا, أي لم يقل عندي أو ليس عندي، فضرب ليصدق في القضية ويأتي بأحد الشيئَين: فمتى أحاب بشيء ولو نفيًا فإنّ بعض فقهاء الشافعية يرى أن إقراره صحيح لأنه حينئذ - ليس مكرهًا إذ المكره من أكره على شيء واحد، وهذا إنما ضرب ليصدق، أي يقول الصدق من الحالين، والصدق ليس منحصرًا في الإقرار [2] .
وهذا الاستدلال مردود من وجهين:
أَولهما: أن قبول إقراره حال الضرب مشكل لأنه سيكون مثل المكره، وإن كان ليس مكرهًا [3] ، وقبول إقراره بعد الضرب فيه نظر -أيضًا- إن غلب على ظنه إعادة الضرب إن لم يقر, وقد صرّح الأذرعي الشافعي: أن الوصف الحقيقي لذلك: أنه إكراه، سواء أقرّ في حال الضرب أم بعده وعلم أنه إن لم يقر لضرب ثانيا، وإذا كان إكراهًا فإنه لا يترتب عليه حكمه وفقًا لما ذكره الفقهاء.
ثانيهما: أنه إذا كان الضرب إكراهًا في الحالتين، وهما حالة ما إذاِ ضرب ليصدّق في القضية، أو ضرب ليقرّ بما ادّعاه خصمه، فإنه يكون حراما بل إن الضرب سيكون حرامًا حتى ولو كان ضربًا خفيفًا [4] ، وإذا كان حرامًا فلا يترتب عليه أثره، ومن ثم يكون هذا الرأي مردودا لذلك.
استدل أصحاب القول الثالث لما ذهبوا إليه، بالسنة، والمعقول.
اولا: أدلتهم من السنة الشريفة:
(1) شفاء الغليلَ -الإمام الغزالي- ص 231 تحقيق أحمد الكبيسي، طبع الإرشاد ببغداد سنة 1390 هـ.
(2) مغنى المحتاج- جـ 2 ص 240.
(3) المرجع نفسه.
(4) المرجع نفسه- ص 241، وراجع: حاشية الجمل على شرح المنهج- جـ 3 ص 43 - مطبعة مصطفى محمد بمصر وفي هذا المعنى: د: محمد أفت عثمان- النظام القضائي في الفقه الإسلامي- ص 279.