أن يكشفوا ويستقصي عليهم بقدر تهمتهم وشهرتهم بذلك، وربما كان بالضرب والحبس، وبالضرب دون الحبس على قدر ما اشتهر عنهم، قال ابن قيم الجوزيه الحنبلي: ما علمت أحد، من أئمة المسلمين يقول إن هذا المدعي عليه بهذه الدعاوى وما أشبهها يحلّف ويرسل بلا حبس ولا غيره، وليس تحليفه وإرساله مذهب لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولو حلفنا كل واحد منهم وأطلقناه وخلينا سبيله مع العلم باشتهاره بالفساد في الأرض وكثرة سرقاته، وقلنا: إنا لا نؤاخذه إلا بشاهدي عدل، كان ذلك الفعل مخالفا للسياسة الشرعية، ومن ظن أن الشرع تحليفه وإرساله فقد غلط غلطا فاحشا لنصوص رسول الله ولإجماع الأئمة، ولأجل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن السياسة الشرعية قاصرة عن سياسة الخلق ومصلحة الأمة، فتعدوا حدود الله، وخرجوا عن الشرع إلى أنواع من الظلم والبدع في السياسة على وجه لا يجوز، ونسب ذلكَ إلي الجاهل بالشريعة وقد صحّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من تمسك بالكتاب والسنة لن يضل، وقد تقدم في أول الباب من أفعال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على عقوبة المتهم وحبسه، واعلم أن هذا النوع من المتهمين يجوز ضربه وحبسه لما قام على ذلك من الدليل الشرعي [1] .
وجاء في المقدمة السلطانية: «وإن ضربه ليقر لم يكن لإقراره تحت الضرب حكم» [2] .
ورد في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: «ولايؤاخذ المكلف بإقراره إذا أكره عليه لأنه حال الإكراه غير مكلف» , ويقول في باب أحكام السرقة: «وإذا أكره على الإقرار من حاكم أو غير ولو بسجن أو قيد فلا يلزمه شيء منهما أم لا عند ابن القاسم، ولو أخرج السرقة، لاحتمال وصول اسم المسروق إليه من غيره، أو عين القتيل الذيَ أكره على الإقرار بقتله فأقر وأخرجه كما في النقل، لاحتمال أن غيره قتله، فلا يقطع ولا يقتل إلا أن يقرّ بعد الإكراه آمنا كما في المدونة، وقال سحنون: يعمل بإقرار المتهم بإكراهه وبه الحكم، أي إن ثبت عند الحاكم أنه من أهل التهم فيجوز سجنه وضربه ويعمل بإقراره [3] .
وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: «جاء في معين الحكام ومتن التحفة لابن
(1) الطرابلسي- معين الحكام- ص 78 1 وما بعدها الطبعة الثانية 1393 هـ، شركة البابي الحلبي.
(2) المقدمة السلطانية في السياسة الشرعية لطوغان شيخ المحمدي الحنفى المتوفى 881 هـ- تقديم وتحقيق الدكتورعبد الله محمد عبد الله- ص 245 - مكتبة الزهراء بالقاهرة.
(3) الشرح الكبير الدردير مع حاشية الدسوقي- السابق.