فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 48

المتهم، فإن ذلك من شأنه أن يرتب حكمًا حاصله جواز إيقاع العقاب الملائم به، ويكون ذلك العقاب بناء على الدليل الذي قام عليه وهو القرينة، وليس بهدف إرغامه على الإقرار بالتهمة.

القرينة دليل ظني يترجح معه صدق التهمة بحق من وقعت به، وبناء عليه فإنها لا تصلح دليلًا على عقوبة حدية، كما لا تصلح كذلك للقصاص من المتهم، وذلك لأن الحدود يحتاط فيها ما لا يحتاط في غيرها، ولأنها عقوبات مقدرة وجبت حقًا لله -تعالى- وجانب العفو فيها أرجح من جانب العقاب، ولهذا تدرأ بالشبهة قدر المستطاع، ولا توقع على المتهم إلا إذا استوفت كافلا شرائطها ومنها استيفاء نصاب الشهادة وشروطها أو عدد مرات الإقرار وثباته على نحو محقق يعصمه من الرجوع فيه، ولأن تلك العقوبات مما يتعلق بالدماء والأعراض وفواتهما مما يصعب تداركه، ولهذا يجب التثبت التام من قيام التهمة بجانب المتهم، والقرينة علامة ظنية لا تصلح لهذا التثبت، وإذا كان القصاص يتجاذبه مع حق الله، حق العبد فإن ذلكَ التمحيص الدائ للقصاص لا يصادم حق العبد، لأنه سيئول إلى الضمان المالي أو الدية، ومن ثم فإن التحوّط في الحدود أو القصاص لا ينافي ما للعبد من حقوق مالية ناشئة عن التهمة.

وإذا كانت القرينة لا تصلح دليلًا على ثبوت العقاب في الحدود والقصاص، لم يبق إلا أن تكون صالحة لثبوت العقوبات التعزيرية، ومعلوم أن تلك العقوبات مما يترك أمر تقديرها للحاكم، يوقعها حسبما يرى من الظروف ما يلائم تحقيق المقاصد الشرعية المرجوة من تقرير العقوبة.

وقد يعترض على ما تقرر من أن القرينة لا تصلح إلا لإثبات التعزير ما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قد أثبت حد الزنا بقرينة الحمل، وذلك فيما رواه البخاري وغيره، أنه -رضي الله عنه- قال: خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضه أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنا وقد أحصن، إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف [1] .

وما روى عنه في ثبوت حد الخمر برائحته، وذلك فيما رواه الإمام مالك أن عمر بن

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري- جـ 12 ص 166، ونيل الأوطار للشوكاني- جـ 7 ص 118

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت