المبحث الثالث
اختلاف الفقهاء في الاتهام المرتبط بالقرينة وأدلة كل قول
استبان لنا مما سبق أن الفقهاء متفقون على أن التهمة إذا كانت مجردة من القرينة المرجحة لجانب الإدانة في المتهم، فإنه لا يجوز ممارسة أدنى قدر من التعذيب معه، وإذا حدث وصدر الإقرار تحت وطأة الضغط أو الإكراه أو التعذيب، فإنه يكون هدرا ولا يعتد به، بل ولا يترتب عليه أثر من جهة الحكَم بالعقوبة المقررة أو الحكم اِللازم، أما إذا كانت التهمة مرتبطة بقرينة ترجح جانب الإدانة، فقد اختلف في ذلك إلى ثلاثة أقوال:
أولها: لجمهور أهل العلم في مذاهب الحنفية والمالكية والحنابلة والزيدية، وبعض الإمامية، وحاصل قولهم: إنه لا يجوز تعذيب المتهم ليقرّ بالتهمة حتى ولو ارتبط ذلك الاتهام بالقرينة المرجحة له، وهو قول الشافعية إذا أكره على شيء واحد [1] .
ثانيها: لفقهاء الشافعيه، وحاصل قولهم. إنه يعتدّ بتعذيب المتهم ليصدق في قضية اتهم فيها، ويلزمه ما أقر به [2] .
ثالثها: للطرابلسي وابن نجيم و الحسن بن زياد من الحنفية، وسحنون من المالكية، وابن تيميه وتلميذه ابن القيم من الحنابلة، وقول عند الإمامية، وحاصل قولهم: إن المتهم إذا قامت قرينة على إدانته فإنه يحوز تعذيبه ليقر بالتهمة [3] . ولكل قول أدلته:
(1) تكملة فتح القدير-جـ 8 ص 320 وحاشية ابن عابدين علي الدر المختار- جـ 8 ص 5 وحاشية الدسوقى على الشرح الكبير- جـ 3 ص 397، والشرح الصغير- جـ 2 ص 252، وتبصرة الحكام لابن فرحون- جـ 4 ص 157، ومواهب الجليل للحطاب- جـ 5 ص 276، وكتاب الأم للإمام الشافعي- جـ 3 ص 210، والأحكام السلطانية للماوردي- ص 249 ومغنى المحتاج- جـ 2 ص 240، وا لمغني لابن قدامة جـ 7 ص 264، والكافي- جـ 4 ص 568، والأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء- ص 259 والمحلى لابن حزم- جـ 11 ص 339، والمختصر النافع- ص 224 والبحر الزخار- جـ 5 ص 100، وكتاب الخلاف للطوسي- جـ 5 ص 374.
(2) مغني المحتاج- جـ 3 ص 210.
(3) معين الحكام للطرابلسي- ص 178 الطبعة الثانية سنة 1973 وا لأشبا 5 والنظائر- ص 252 حيث يقول: إذا أقرّ السارق مكرهًا فقد أفتى بعض المتأخرين بصحتها والمبسوط للسرخسي-جـ 24 - ص 70, وقد جاء فيه أن أحد الأمراء أرسل رسالة إلى الإمام الحسن بن زياد، يسأل فيها عن ضرب السارق ليقرّ بالسرقة، فقال: إذا لم يقطع اللحم أو يبين العظم، ثم ندم على هذه المقالة، ثم ذهب إلى مجلس الأمير ليمنعه من ذلك فوجده قد ضرب السارق حتى اعترف وجاء بالمال، ولما رأى المال موضوعًا بين يدي الأمير قال: ما رأيت ظلمًا أشبه بالحق من هذا, وراجع: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير- جـ 3 ص 397، والفتاوى لابن تيمية- جـ 35 ص 396 وما بعدها- مكتبة ابن تيمية، وزاد المعاد- جـ 3 ص 326، وجـ 5 - ص 56، مؤسسة الرسالة، والمختصر النافع- ص 224.