وقد سبق بيان ذلك.
وقد استدل أصحاب هذا القول لما ذهبوا إليه من المعقول بوجهين:
أولهما: أن الهدف من ضرب المتهم هو إيصال الحق إلى مستحقه فيجوز [1] .
ثانيهما: أِنه إذا لم يجز الضرب للإقرار بالتهمة في حال قيام القرائن المرجحة لها تعذر استخلاص الحقوق من المعتدين عليها، فكانت المصلحة في التعذيب بالضرب لأنه وسيلة إلى التحصيل باليقين والإقرار.
مناقشة هذا الاستدلال:
وهذا الاستدلال مردود بما يلي:
أولا: ما قيل من أن الهدف من ضرب المتهم هو إيصال الحق لمستحقه، مردود بأن تلك المصالحة لم تسلم من المعارضة بمصلحة تتفوق عليها وحق هو أرجح منها، ويتمثل ذلك في عصمة الأموال والنفوس، فإن من مقتضى عصمتها الصون عن الضياع وأن لا يعاقب جان إلا إِذا ثبتت عليه الجناية بالحجة، فكان في المصير إليه نوع من الفساد، فلا يصلح أَيصال الحق لمستحقه على حساب انتهاك حرمته الأولى، دون دليل محقق.
ثانيًا: أن التعذيب محرم بالأدلة الدالة عليه، ولا يجوز أن يكون الأمر المحرم وسيلة للوصول إلى الحق، لأن الخطأ لا يوصّل إلى صواب، ولا يجوز أن يتوصل إلى ما هو مشروع بما ليس بمشروع، ومن ثم يكون هذا القول مردودًا.
القول الراجح:
ومن خلال بيان أدلة كل قول وما ورد عليها من مناقشات يستبين لنا رجحان ما ذهب إليه رأي الجمهور القائل: بأنه لا يجوز تعذيب المتهم للإقرار بالتهمة، وهو ما نرجحه ونطمئن إليه، وإدا كان حكمه كذلك يكون حرامًا، ومن ثم فإنه يفسد الإقرار بالتهمة فلا يصلح معه لأن يترتب عليه أي أثر من جهة إدانة المقر أو غيرها، والله أعلم، وهو سبحانه وتعالى الموفق والمعين، والهادي إلى سواء السبيل.
أ. د. عبد الله مبروك النجار
عضو مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر الشريف
(1) فتاوي ابن تيميه جـ 35 - ص 406.