فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 48

(2) وما روي عن علي -رضي الله عنه- قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنا والزبير بن العّوام والمقداد بن الأسود فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ [1] ، فإن بها ظعينة ومعها كتاب، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، فإذا نحن بالظعينة. فقلنا أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته هن عقاصها [2] .

ووجه الدلالة على المطلوب:

أنه قد دلّ على جواز تهديد المتهم بما يحمله على تسليم ما معه، والتسليم كالإقرار وأكثر، كما أن التهديد بالتعذيب نوع من التعذيب فيجوز استعماله مع المتهم إذا قامت قرينة على اتهامه وذلك لحمله على الاعتراف كما حدث من الظعينة.

مناقشة هذا الاستدلال:

وهذا الاستدلال مردود من وجوه:

أولها: ليس في الحديث دلالة على جواز التعذيب للإقرار بالتهمة، لأن التهمة كانت ثابتة على الظعينة بعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- فتدخل في باب المعجزة، ويكون العمل فيها بالوحي وهو لا يتخلف، ولا يسوغ ترك العمل به أو بالقرينة القوية الصالحة لترتيب أثرها، ويكون العمل في تلك الحالة بالعلم النبوي أو بالقرينة، وليس بالإكراه على الإقرار.

ثانيها: ما حدث مع الظعينة ليس نوعًا من التعذيب أو الإكراه، وإنما هو نوع من الإلزام بفعل ما هو حق، وما كان كذلك لا يسمى تعذيبًا حتى يقال إنه للتوصل إلى الإقرار بالتهمة.

ثالثها: أن ما حدث مع الظعينة قد تمّ بناء على قيام القرينة بحملها للكتاب، والقرينة دليل صالح لترتيب الحكم كما قامت الأدلة على ذلك، وإذا كان الحديث دليلًا على العمل بالقرينة، فإنه لا يكون دالًا على جواز التعذيب لتعاضد الأدلة على تحريم ذلك.

رابعها: أن ما حدث مع الظعينة نوع من العقاب لمن عرف أن الحق عنده ولما سئل عنه جحده، ومعلوم أن الفقهاء مجمعون على أن من كان كذلك يعاقب حتى يؤدي ما عليه [3] ،

(1) روضة خاخ: مكان بين مكة والمدينة.

(2) صحيح البخاري مع عمدة القارى- جـ 14 ص 254، إدارة الطباعة المنيرية، وسنن البيهقي- جـ 9 ص 146, وسنن أبي داود مع شرح عون المعبود- جـ 7 ص 31 وما بعدها، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة سنة 1986.

(3) فتاوى ابن تيمية- جـ 35 - ص 402 والطرق الحكمية- ص 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت