مناقشة الاستدلال بالمعقول:
وقد أجيب عن هذا اِلاستدلال بأن القرينة يجب أن تكون قوية الدلالة في إفادة الحكم، ومالم تكن كذلك فإنها لا تصلح، والاعتبار في المشروعية للقرينة القوية، فلا يكون للاحتجاج بالقرينة الضعيفة معنى لأنها غير داخلة في الموضوع [1] .
ومن خلال بيان أدله كل قول وما ورد عليها من مناقشات يستبين لنا أن القول الأول هو الراجح، ومن ثم يكون العمل بالقرينة هو الحكم الذي يتعيّن المصير إليه، لا سيما وأن الإجماع قد انعقد على ذلك، فيكون القول به هو الأقوى والأرجح، وذلك ما نميل إليه ونقرره.
ويبدو مما ذكره الفقهاء أن القرينة ظاهرة أو علامة تدل على وجود أمر يقتضي حكمًا، وذلك مثل اشتهار أحد من الناس بالإجرام في نوع معين من الجرائم كالسرقة، أو تسلق المواقع بقصد اقتحام المنازل، أو وجود رائحة الخمر في فم سكران يترنح في مشيته، أو طروء الثراء الكبير على شخص لا يعلم له مورد أو عمل يدر عليه مالًا وفيرًا، وذلك مثل من اتهم بإخفاء كنز أبي الحقيق وظهرت عليه علامات الثراء، ولما سئل عن نقص الكنز قال: أذهبته الحروب والنفقات: فقال له -صلى الله عليه وسلم-: «العهد قريب والمال أكثر» ، لأن قرب العهد وكثرة المال تدل على كذب دعواه وأدانته بتطاول يده على المال الذي في حوزته [2] ، كوجود الدم على السيف فإنه يعتبر قرينة دالة على حدوث القتل من حامله، وهو ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- مع بني عفراء حين تداعيا قتل أبي جهل يوم بدر [3] , ومع ذلك سكوت البكر عند خطبتها فإن سكوتها قرينة على رضاها بالخاطب، وكظهور الحمل على المرأة دون أن يكون لها زوج أو وسيد، فإن هذه القرائن وغيرها إنما هي علامات ظاهرة تدل بما يغلب على الحق معه وجود الحكم المقترن بها دلالة ظنية راجحة.
فإذا اقترن الاتهام بأحد تللك الظواهر المرجحة لحصول الظن بوقوع الفعل المتهمبه من
(1) في هذا اِلمعنى: د. محمد رأفت عثمان- السابق- ص 468.
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون- ص 114.
(3) المرجع السابق