الخطاب خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شراب الطلاء، وأنا سائل عمّا شرب، فإن كان يسكر جلدته، فجلده عمر الحد تاما [1] ، وقيل أَن ذلك هو رأي المالكية.
وما ورد عن عمر بن الخطاب والمالكية في ثبوت الحد بالقرينة لم يسلم من المناقشة وتوجيه أهل العلم كما يلي:
أولًا: توجيه رأي عمر ابن الخطاب:
وما وري عن عمر -رضي الله عنه- في ثبوت حد الزنا بقرينة الحمل مردود بما فعله مخالفًا لذلك، فقد روى الحاكم وغيره أن عمر بن الخطاب قال لرجل أقعد جاريته وقد اِتهمها بالفاحشة على النار حتى احترق فرجها: هل رأيت ذلك عليها؟ قال: لا، قال هل اعترفت؟ قال: لا، فضربه وقال: لولا أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: لا يقاد مملوك من مالكه لقدتها منك [2] . قال اِلحاكم: إنه صحيح الإسناد.
لقد دل ذلك الأثر على أن عمر لم يسأل عن القرائن، وإنما سأل عن البينة والاعتراف، ولو كان مذهبه العمل بالقرينة في الحدود لسأل عنها، لكنه لم يسأل، فدل ذلك على أن العمل به ليس مذهبا له.
وما روى عنه في ثبوت حد الخمر بالرائحة، مردود بما ذكره ابن قدامة -رحمه الله- أن الحد لا يجب بالرائحة عند عمر -رضي الله عنه-، بدليل أنه لم يقم الحد على المتهم حتى سأله عن الشراب الذي شربه [3] ، فدل ذلك على أن علّة الحد هي الشراب المسكر، وليست الرائحة وحدها، ثم إن ما روي عنه في المسألتين إنما هو قول صحابي لا حجة فيه ولا يثبت به مثل هذا اِلأمر العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس، وكونه قاله في مجتمع من الصحابة ولم ينكر عليه لا يستلزم أن يكون إجماعًا، لأن الإنكار في مسائل الاجتهاد غير لازم للمخالف، ولا سيما والقائل بذلك عمر، وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم، وقد أجاب الطحاوي بتأويل ذلك، على أن المراد أن الحمل إذا كان من زنا وجب فيه الرجم، ولابد من ثبوت كونه من زنا، وذلك يأبي جعل الحبل مقابلًا
(1) موطأ الإمام مالك- ص 225 - طبعة وزارة الأوقاف بمصر سنة 2000، وتنوير الحوالك- جـ 3 - ص 55.
(2) فتح الباري- جـ 12 ص 210.
(3) المغنى للابن قدامه- جـ 9 ص 144.