للبينة والاعتراف [1] ، ولأن الحدود مما تدرأ بالشبهة، لقوله -صلى الله عليه وسلم:- «ادرءوا الحد عن المسلمين ما استطعتم [2] .
وقد روى ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي عن عمر بلفظ: لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحب إلي من أقيمها بالشبهات [3] .
وأخرج البيهقي وعبد الرزّاق عن عمر أنه عزر رجلا زنى في الشام وادّعى الجهل بتحريم الزنا، وكذا روي عنه وعن عثمان أنهما عزّرا جارية زنت وهي أعجمية، وادّعت أنها لم تعلم بالتحريم [4] .
ثانيا: توجيه رأي المالكية:
وأما عن توجيه رأي المالكية فإن من يتأمل رأيهم يجد أنهم لم يجعلوا الحبَل مقارنًا للبينة والإقرار في ثبوت حد الزنا، بل قررّوا إنه الحبَل الخالي من كافة القرائن الدافعة لثبوت اِلزنا على الحامل، فدلّ ذلك على أن الزنا الثابت بطرقه الشرعية هو علة الحد، وليس الحمل، أو أن الحمل في ذاته ليس صالحا لثبوت الحد إلا إذا خلا من القرائن الدالة على نفي ثبوت الزنا، ومنها الإقرار به أو تبعته على الحامل بالشهادة، أو عدم نفي الإكراه على الزنا [5] ، يقول الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: (المرأة إذا ظهر بها حمل ولم يعرف لها زوج فإنها تحد، ولا يقبل دعواها بنفي الزنا عنها إلا إذا قامت قرينة تشهد على صدقها مثل كونها عذراء وهي من أهل العفة [6] ، وكما يقول الإمام الطوسي: الأصل براءة الذمة، وإيجاب الحد يحتاج إلى دليل، وأيضًا فإنه يحتمل أن يكون من زنا، أو من وطء بشبهة، ويحتمل أن تكون مكرهة، ولا حدّ مع الشبهة [7] .
وأما العقاب بالتهمة في الأموال فإنه جائز، وقد ثبت جوازه بالسنة والإجماع، والمعقول كما يلي:
(1) نيل الأوطار للشوكاني- جـ 7 ص 119.
(2) المرجع نفسه- ص 118.
(3) المرجع نفسه.
(4) المرجع نفسه- ص 118.
(5) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير- جـ 4 ص 319، والشرح الكَبير نفس المكان وبداية المجتهد- جـ 2 ص 441.
(6) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير- المكان السابق.
(7) كتاب الخلاف- جـ 5 ص 374.