ووجه الدلالة في الأثر على المطلوب:
أنه قد دل على أن الإكراه لا يرتب أثره في حق المكره، ومن الإكراه التعذيب فلا يعتد به ولا يجوز في حقه.
فقد أجمع الفقهاء على أنه لا يصح الإقرار من المكره، فلو ضرب رجل ليقر
بالزنى لم يجب عليه الحد ولا تثبت عليه الجريمة، وقد حكى الإجماع ابن قداِمة فقال: ولا نعلم خلافا في أن إقرار المكره لا يجب به حد [1] ، كما حكاه السرخسي الحنفي فقال: لم ينقل عن أحد من أصحابنا صحة الإقرار مع التهديد بالضرب أو غيره [2] .
خامسًا: ومن المعقول:
كما استدل الفقهاء على ما أجمعوا عليه من المعقول بوجوه:
أولها: أن الإقرار خير يحتمل الصدق والكذب، وبالإكراه يترجح جانب الكذب فيه، فلا يعتد به ولا يترتب عليه أثر.
ثانيها: أن اِلإقرار إنما يثبت المقرّ به لوجود الداعي إلى الصدق، وانتقاء التهمة
عنه، فإن العاقل لا يتهم بقصد الإضرار بنفسه، ومع الإقرار يغلب على الظن (( أنه قصد بإقراره دفع الإكراه، فانتفى ظن الصدق عنه، فلم يقبل [3] .
ثالثها: أن الإقرار مع الإكراه يكون قولًا أكره عليه بغير حق فلم يثبت حكمه [4] .
ويبدو مما سبق أن التهمة المجردة عن القرائن التي ترجع جانب الإدانة في المتهم لا يجوز أن يمارس معها عليه ما يؤثر على صحة إقراره، و إذا حدث ذلك، فإن الإقرار يكون هدرًا، وقد قام الدليل على ذلك من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والإجماع, والمعقول، فيكون ذلك الحكم ثابتًا على نحو لا يعتريه شك أو ارتياب.
(1) المغني لابن قدامة- جـ 12 ص 360.
(2) المبسوط للسرخسي- جـ 24 ص 70، مطبعة السعادة سنة 1324 هـ.
(3) المغني لابن قدامة- المكان السابق.
(4) المغني لابن قدامة- جـ 12 ص 293.