فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 48

الغالب مصادقته للصواب والنادر خطأه، ومع ذلك ألغاه الشرع صونًا للأعراض والأطراف عن القطع، وأخذ الحاكم بقرائن الأحوال من التظلم وكثرة الشكوى والبكاء مع كون الخصم مشهورًا بالفساد والعناد، الغالب مصادقته للحق والنادر خطأه، ومع ذلك منعه الشارع منه وحرمه، ولا يضرّ الحاكم ضياع حق لا بينة عليه، والغالب أن من وجد بين فخذي امرأة وهو متحرك حركة الواطئ، وطال الزمان أنه قد أِولج، والنادر عدم ذلك، فإذا شهد عليه بذلك ألغى الشارع هذا الغالب سترا على عباده ولم يحكم بوطئه ولا بعدمه [1] .

وقبل أِن نعرض لأدلة كل فريق على رأيه، أود أن أشير ألى أن رأي القرافي وإن كان من الممكن قبوله في مجال الحدود والقصاص تحوطًا للدماء والأعراض ودرأ للحدود بالشبهة، إلا أِنه يصعب قبوله في غيرهما، وذلك لمخالفته للأدلة التي تفيد وجوب العمل بكل ما يوصل إلى الحق، ويبقى أن نبين أدلة كل قول على ما ذهب إليه.

اِستدل أصحاب القول الأول لما ذهبوا إليه بالكتاب والسنة وآثار الصحابة والإجماع والمعقول وذلك كما يلي:

أولا: من الكتاب:

(1) بقول الله تعالى في سورة يوسف: {وَجَاءُوا عَلَى قَميصِهِ بِدَم كَذبِ قال بَلْ سَولَّتْ لَكُمْ أنفسُكُمْ أمرا، فَصَبر جَميلٌ وَالله الْمُسْتًعَانُ عَلَى ماَ تَصِفُونَ} [2] .

ووجه الدلالة في الآية الكريمة عَلى المطلوب:

أنْ الله -تبارك وتعالى- قد حكى عن إخوة يوسف أنهم قد أقاموا قرينة على قتل أخيهم، وهي تلطيخ قميصه بالدم، ليكون في هذا العمل دليل على قبول ما يزعمون من أن الذئب قد أكله، كما تدل على أن أَباهم قد اكتشف كذب ما يدعون بقرينة أقوى، وهي عدم تمزيق قميص يوسف، حيث لا يقبل عقلًا أِن يأكله الذئب ثم يبقى قميصه سليمًا خاليًا من أي تمزيق، فبقاء قميص يوسف سليمًا يعتبر قرينة على الكذب، وقد حكى القرآن الكريم ذلك للاعتبار اَلدال على بقاء حكمه، وهو ما يفيد العمل بالقرينة.

(1) الفروق للقرافي- جـ 4 ص 110 وما بعدها- طبعة عالم الكتب، وراجع: د. محمد رأفت عثمان- النظام القضائي في الفقه الإسلامي- ص 461 وما بعدها، والمراجع المشار إليها في الحاشية.

(2) سورة يوسف- آية 18, وراجع: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي-جـ 9 ص 149،حيث يقول: لما ارادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها وهي سلامة القميص من التمزيق، إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس للقميص تم يسلم القميص من التمزيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت