وقد يقال: إن ذلك كان في شرع من قبلنًا، لكنه من المعلوم لدى علماء الأصول والفقه، أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد دليل ناسخ، ولم يرد في شرعنا ما ينسخ ذلك بل العمل فيه على وفقه، وذلك من خلال الأدلة القائمة على مشروعيته من السنة والإجماع والمعقول.
(2) وبقول الله تعالى:
{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ً} [1] .
ووجه الدلالَة في اَلآية اَلكريمة على المطلوب:
أنها قد تضمنت العمل بالقرينة في موقف اتهام نبي الله يوسف باتعدي على
امرأة العزيز، وهذه القرينة تتمثل في قدّ القميص: أي تمزيقه على نحو يفيد جذب المشدود من جهة الفاعل، فإن كان القدّ من أمام يكون فيه دليل على توجه المتهم نحو المجني عليه، ويكون ذلكَ القدّ دليلًا على مدافعة ضحيته له، أما إن كان من خلف، فإنه يكون دليلًا على فكاكه وهروبه من موطن الجريمة، ويكون ذلك التمزيق دليلًا على جذب المدعى له ليقع في الإثم دون رغبة منه، وفي ذلك دليل على براءة المدعى عليه وهذا ما ظهر بحق نبي الله يوسف -عليه السلام- ففي الآية الكريمة دليل على العمل بالقرينة، وهو دليل قائم إلى يوم الدين إذ لو بطل في ديننا للزم منه زوال دليل العصمة في حق نبي نؤمن به، كما نؤمن أنه يجب له كمال خلقي، ويستحيل عليه كل نقص بشري، ولأصبح ذلك اِلإبطال ماسا بعقيدة المسلمين، وهذا مستحيل شرعًا، فبطل ما يؤديى إليه وهو بطلان الاحتجاج بالقرينة.
كما أن القرآن الكريم، قد حكى ذلك للاعتبار والعظة والعمل به، قصدا لإقامة العدل، والفصل بين الناس في الخصومات، وهذا واجب يجعل كل ما يؤدي إليه على منوال حكمه بناء على أن ما يوصل إلى الواجب يكون واجبا وإذا قيل إن ذلك كان في شرع من قبلنا، فرده: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرددليل ناسخ, ولم يرد في شرعنا ما ينسخه، بل العمل فيه على وفقه وقامت الأدلة على مشروعيته، ونحن مأمورون بأن نقتدي بأهل الفضل والهدى فيما وفقوا له من الخير، عملًا بقوله -تعالى-: أولَئكَ الَّذينَ هَدَى الله
(1) سورة يوسف- الآيات 26 - 28.