فَبِهُدَاهُمُ اقْتَده [1] .
وقد قال بعض العلماءَ: إن قائل ذلك الذي حكاه القرآن الكريم أو الشاهد الذي شهد به، هو طفل تكلم في المهد، وذلك ما ذهب إليه ابن عباس وابو هريرة وسعيد بن جبير وهلال بن يسار [2] ، وقد صحح ذلك الذي السهيلي للحديث الوارد فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، وشهد فيهم شاهد يوسف [3] .
وقيل إن ذلك الشاهد هو قد القميص، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهو مجاز صحيح من جهة اللغة، فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال، وقد تيف العرب الكلام إلى الجمادات وتخبر عنها بما هي عليه من الصفات، وذلك كثير في أشعارها وكلامها، ومن أحلاه قول بعضهم، قال الحائط للوتد لم تشقني، قال: سل من يدقني، إلاّ أن قول الله -تعالى- بعد: {من أهلها} ، يبطل أن يكَون الشاهد هو قدّ القميص [4] .
وقيل إنه رجل حكيم ذو عقل كان الوزير يستشيره في أموره وكان من جملة أهل المرأة وكان مع زوجها فقال: قد سمعت الجلبة والاستبدار من وراء الباب وشق القميص، فلا يدري أيكما كان قّدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدانه فأنت صادقة، وإن كان من خلفه فهو صادق، فنظروا إلى القميص فإذا هو مشقوق من خلف، وروي عن ابن عباس أنه كان رجلًا من خاصة الملك وقال عكَرمة: لم يكن بصبي، ولكنه كان رجلًا حكيمًا [5] .
ولو كان المتحدث طفلًا لما كان في الآية دليل على العمل بالقرينة، ْ لأن تغني عن العادة، إذ هي في ذاتها تعد معجزة قاطعة بصدقه، لأن كلام الطفل معجزة، وهي أوضح على صدقه من الاستدلال بالعادة وإذا كان رجلا فيصح اَلاستدلال بها على القرينة [6] .
وقد ردّ ابن فرحون على ما قاله القرطبي: أنه لو كان الشاهد طفلا تكَلم في المهد لما كان في الآية دليل على العمل بالقرينة فقال: إنّه حتى لو كان الشاهد طفلا فإن الحجة قائمة منه بإذن الله تعالى، لأنه يرشدنا بها على لسانه إلى التفطن والتيقظ والنظر إلى الامارات والعلامات التي يعلم بها صدق المحق وبطلانْ قول المبطل، ويكون ذلك أبلغ في الحجة
(1) سورة الأنعام- آية 90.
(2) أحكام القرآن للجصّاص- جـ 3 ص 250.
(3) القرطبي- الجامع لأحكام القرآن- جـ 9 ص 172.
(4) القرطبي- السابق ص 173.
(5) المرجع نفسه.
(6) المرجع نفسه.