فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 48

المبحث الثاني

اتفاق الفقهاء على حكم الاتهام المجرد وأدلتهم

اتفق الفقهاء على أنه إذا كان اتهام الشخص مجردًا عن القوائم التي تدينه وترجح جانب إدانته، فإنه لا يجوز تعذيبه أو إلحاق أدنى ضرر به بهدف التأثير على إرادته، أو إرغامه على الاعتراف بتهمة لم يرتكبها، أو جريمة لم يفعلها، والاتهام المجرد هو الخالي من القرائن التي يغلب على الظن معها ارتكابه لما نسب إليه، أو ترجح جانب الإدانة فيما حامت الشبهات حوله، وقد قامت الأدلة على ذلك من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والإجماع والمعقول، وذلك كما يلي:

أولًا: من الكتاب الكريم:

يقول الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِه إِلا مَنْ أكره وَقَلبُهُ مُطمَئِنّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضب مِنَ الله} [1] .

ووجه الدلالة في هذا القول الكريم:

أن الله تبارك وتعالى قد نفى أثر الإكراه على الإيمان وهو أصل، فلأن يكون أثره منفيا في غير الإيمان من الفروع يكون ذلك من باب أولى، وهذا واِضح من استثاء الإكراه على الإيمان مع اطمئنان القلب من الكفر، ومعلوم أن المستثنى يخالف المستثنى منه في حكمه، وهو هنا الكفر فيكون المستثنى مناقضًا له، وهو الإيمان في هذا يقول صاحب مغني المحتاج: جعل الإكراه مسقطا لحكم الكفر فبالأولى ما عداه [2] .

ثانيًا: من السنة النبوية الشريفة:

(1) بما روى أن المشركين أخذوا عمارا فأرادوه على الشرك، فأعطاهم، فانتهى إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يبكي، فجعل يمسح الدموع عن عينه ويقول: أخذك المشركون فغطوك في الماء وأمروك أن تشرك بالله ففعلت، فإن أخذوك مرة أخرى، فافعل ذلك بهم [3] .

ووجه الدلالة في هذا الحديت على المطلوب:

أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد حكم برفع أَثر اِلإكراه على الكفر, وبين أنه لا قيمه له

(1) سورة النحل- آية 106.

(2) مغني المحتاج- جـ 2 - ص 240.

(3) رواه أبو حفص بإسناده، وأخرجه الحاكم في المستدرك- جـ 2 ص 357، وابن سعد في الطبقات الكبرى- جـ 3، ص 249.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت