لضعف القرينة التي قامت بها عن إثبات الحد، فاستحكمت فيها الشبهة بسبب هذا الضعف، ومن ثم لم تصلح لإثبات الحد، إذ هو مما يدرأ بالشبهة عملًا بحديث النبي ... -صلى الله عليه وسلم-: «إِدرءوا الحدود ما استطعتم، فلأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقاب [1] , وعن أبي هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: اِدفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعًا [2] .
(2) وبما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: شرب رجل الخمر فسكر فلقي يميل في الفج، فانطلق به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما حاذى بدار العباس، انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فضحك، وقال: أفعلها؟، ولم يأمر فيه بشيء [3] .
ووجه الدلالة في هذا الحديث الشريف على المطلوب:
أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقم الحد على من وجدت فيه قرينة شرب الخمر، ولكنه حين علم بأمره، وأنه كان يتمايل من السكر، ضحك ولم يأمر فيه بشيء، فدل ذلك على عدم جواز العمل بالقرينة.
ويمكن أنْ يجاب عن ذلك:
بأنه ربما لم يُقم عليه الحد لضعف القرينة عن إثباته، حيث إنه من يدرأ بالتهمة، أو لأنه لم يقر لديه بالشرب، أو لأنه قد علم بالجريمة، و القاضي، لا يحكم بعلمه [4] ، أو لأنه لم يقم بحقه الشروط التي يجب أن تتوافر لإقامة الحد عليه ومن ثم لا يكون في عدم إقامة الحد عليه دليل على ترك العمل بالقرينة، ولا يكون الحديث دالًا على ما ذهبوا إليه، ثم إن عجز القرينة عن إثبات الحد لا يمنع من صلاحيتها لإثبات التعزير وهو المطلوب منها.
استدل القائلون بعدم الحكم بالقرينة من المعقول فقالوا:
إن القرائن ليست مضطردة في دلالتها على الحكم، كما أنل غير منضبطة لأنها تتفاوت قوة وضعفًا فلا تصلح لبناء الحكم عليها [5] .
(1) في هذا المعنى: د. محمد رأفت عثمان- السابق ص 467.
(2) رواه ا بن ماجه، راجع: نيل الأوطار للشوكاني- السابق- ص 117، وما بعده.
(3) رواه أحمد وأبو داود وقال: هذا مما تفرّد به أهل المدينة، راجع: نيل الأوطار للشوكاني- جـ 8 - ص 168.
(4) في هذا المعنى: الشوكاني في نيل الأوطار- السابق- ص 169.
(5) د. عبد العال عطوة- محاضرات في علم القاضي- ص 42، مشار إليه في، محمد رأفت عثمان السمابق- ص 467.