فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 48

محض توهم، كظنه أن الرجل ربما يكون هو الذي قتل نفسه [1] ، ومثل هذا التوضيح يخالف الموضح، لأنها تفيد الظن الذي لا يصل إلى حد اليقين، مع أن التعريف يقول: إنها الأمارة البالغة حد اليقين، ومن ثم كان التعريف وشرحه غير سائغين.

ونحن نرى أن القرينة: «هي الحالة الدالة على الحكم بما يغلب على الظن اقترانه بها» [2] .

ودلاله القرينة على الحكم قد تصل إلى حد لا يمكن إنكاره، بل وربما, وصلت دلالتها إلى حد يقترب من اليقين، فلو أن جماعة شهدوا على موت شخص أو قتله، ثم ظهر المشهود عليه حيًا، فإن ذلك الظهور يعد قرينة قاطعة على خطأ الشهود أو ظنية ما أخبرواِ به وليس دليلًا على كذبهم لأنهم- وبما يكونوا قد شهدوا على قتله- بما غلب على ظنهم من مشاهدة حاله، فلا يكون ذلك كذبًا منهم، بل خطأ في وصف الحال.

وكما لو وجدت امرأة حامل وليس له زوج أو سيد- إذا كانت جارية- فإن وجود الحمل يعدّ قرينة تفيد الزنا غالباَ، وكذلك الأمر فيما لو وجد شخص في حالة سكر وهو يتتقيأ الخمر، فإن هذا قرينة يغلب على الظن معها شرب المنكر متعمدًا، وهكذا.

ومع ذلك، فإن الحالات التي قال المعاصرون من الفقهاء إنها تفيد اليقين، مثل

حالة الشهادة على شخص ثم ظهوره حيا، ووجود امرأة حامل دون أن يكَون لها زوج أو سيد، ووجود شخص في حالة سكر يتقيأ الخمر، وخروج شخص مضطرب يحمل سكينًا تسيل منها الدماء مع وجود شخص ذبيح بجواره، ووجود عين المسروق لدى شخص، فإن ذلك كله لا يقطع بإتيان هؤلاء لما اتهموا به، فربما كان الشهود صادقين فيما شهدوا حسبما استبان لهم من شواهد حال المشهود عليه، ومن ثم لا تفيد قرينة ظهوره حيا بعد الشهادة بموته كذب الشهود يقينًا، بل تفيد ذلك بغلبة الظن، وكذلك الأمر في حال حمل المرأة بدون زوج أو سيد، حيث لا ترقى قرينة الحمل لأن تثبت الزنا عليها يقينًا، لاحتمال أن لها زوجًا غير معلوم، أو أن أداة إثبات الزواج غير قائمة، أو أنها قد أكرهت على الفعل ومن ثم فإنها لا تفيد الزنا يقينًا، بل بغلبة الظن وفى هذا يقول الأمام الطوسي: «إذا وجدت إِمرأة

(1) شرح مجلة الأحكام العدلية- للأستاذ سليم رستم الباز - جـ 2 - ص 1092 - طبعة دار الكتب العلمية ببيروت.

(2) وتعريف القرينة بالحالة مستفاد مما ذكره ابن فرحون في التبصرة - جـ 2 ص 111، حيث قال القرينة هي السيما الواردة في قوله تعالى تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ)، فدلّ على أن السيما هي الحال التي تظهر على الشخص، فتدل على ما هو فيه، كوجود شخص عليه زنار وغير مختون فلا يدفن في مقابر المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت