فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 48

استدل أصحاب القول الأول لما ذهبوا إليه بالأدلة التي أوردوها على عدم جواز الإكراه على الإقرار بالتهمة في حالة خلوّها من القرائن المرجحة لجانب الإدانة فيها، وهي من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والإجماع والمعقول من وجوهه الثلاثة.، وقد وجّهوا تلك الأدلة للاستدلال على ما ذهبوا إليه في حالة الاتهام المقترن بالقرينة، وأنه لا يجوز إكراه المتهم فيه للإقرار بالتهمة فقالوا:

أولًا: إن عموم تلك الأدلة يشمل تحريم التعذيب للإقرار بالتهمة مطلقا، وسواء كان الاتهام مجردًا من القرائن المرجحة له أو مقترنًا بها، حيث لم يرد ما يخصص تلك الأدلة بالاتهام المجرد دون غيره، ومع ذلك فإن قصرها عليه دون غيره تخصيص بلا مخصص وهو لا يجوز.

ثانيًا: أن وجود القرينة المرجحة لجانب التهمة فيه كفاية لأن يترتب عليها حكمها، وهو جواز إيقاع التعزير بالقرينة، لأنها دليل صالح في ذاته لذلك وفقًا لما ظهر من أدلة العمل بالقرينة، ومن ثم يكون الإكراه معها للحمل على الاعتراف بالتهمة تزيدًا لا معنى له، حيث سيؤدى ذلك إلى أن يعاقب الشخص على الفعل الواحد مرتين، مرة بالقرينة، ومرة أخرى بالإقرار الذي أكره عليه.

ثالثًا: أن التعذيب بدون سبب مشروع يعتبر عملًا محرمًا، ولا يجوز أِن يكو ن

ذلك العمل المحرم وسيلة لإظهار الحق إذا تعين له، فما بالنا إذا كان وسيلة لما لا يتحقق وجه الحق فيه وهو الإقرار بتهمة كرها، وربما لا يكون المقرّ قد اقترفها، كما أنه خطأ، ولا يجوز أن يكون الخطأ مقدمة لما يظن فيه الصواب.

رابعًا: أنه لو أبيح التعذيب للحمل على الإقرار بالتهمة، لاتّخذه الذين لا يكترثون بحرمة اِلآدمي، ولا يحترمون حقوق الإنسان ذريعة للتخوض في تلك الحرمات واِنتهالث تلك الحقوق، ولأصبح أداة لتلفيق التهم والزج بالأبرياء في أتون السجون، أو إيقاع الأذى بهم دون أن تقوم بهم الأسباب الشرعية الموجبة للعقاب.

خامسًا: أن حرمة عرض الآدمي وبدنه ثابتة ثبوتًا يقينيًا، وما ثبت بيقين لايزال بالشك، والعقاب إذا جاء نتيجة إقرار غير حرّ، فإنه يكون محل شك وريبة، والمشكوك فيه لا يصلح لإزالة المتيقن.

سادسًا: أن الجنايات قد كثرت في عهود الصحابة ولم ينقل عنهم قط إلاّ الحكم بالاقرار أو بالحجة أو باليمين، أما التعذيب، فلم يصر إليه منهم صائر، مع كثرة الوقوع، وذلك يدل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت