(1) ما روي عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما صالح أهل خيبر على الصفراء والبيضاء اشترط عليهم ألا يغيّبوا شيئًا ولا يكتموه، فإن فعلوا، فلا ذمّة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكا فيه مال وحلّى لحييي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعم حيّي ابن أخطب: ما فعل مسك حييي الذي جاء به من النْضير؟، قال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك، فدفعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الزبير فْمسّه بعذاب، وقد كان قبل ذلك دخل خربة فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة [1] .
ووجه الدلالة في هذا الحديث على المطلوب:
يقول الشوكاني في نيل الأوطار: فيه دليل على جواز تعذيب من امتنع عن تسليم شيء يلزمه تسليمه وأنكر وجوده إذا غلب في ظن الإمام كذبه - وذلك نوع من السياسة الشرعية [2] .
رد هذا الاستدلال:
وهذا الاستدلال مردود من وجوه:
أولها: أن في الحديث دلالة على جواز العمل بالقرينة [3] وإذا كان كذلك فإنه لا يدل على جواز التعذيب للإقرار بالتهمة، حيث كانت قد ثبتت بالقرينة وجرى حكم تعذيبه بمقتضاها، وقد قامت الأدلة على ذلك.
ثانيها: أن عبارة «فمسّه بعذاب» هذه غير ثابتة في كل روايات الحديث، وقد رواه أبو داود في سننه ولم يوردها [4] ، وإذا كان أمر تلك العبارة مترددًا بين الثبوت وعدمه، فإن عدم الثبوت هو الذي يترجح لأنه هو الذي تعضده أدلة عدم جواز تعذيب المتهم للإقرار بالتهمة.
ثالثها: أن ما فعل به نوع من عقوبة شخض يعرف أن الحق عنده وقد جحده أو منعه، والفقهاء يتفقون على عقابه [5] .
(1) زاد المعاد- جـ 3 ص 326, ونيل الأوطار- للشوكاني- جـ 8 - ص 58 وما بعدها
(2) نيل الأوطار للشوكاني- جـ 8 - ص 60.
(3) راجع تبصرة الحكام لابن فرحون- مع فتح العلى المالك- جـ 2 ص 114.
(4) سنن أبي داود- جـ 2 - ص 155 وما بعدها.
(5) فتاوى ابن تيمية- جـ 35 ص 402، والطرق الحكمية لابن القيم- ص 153.