المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) سورة النمل
ولكن إذا أطلق أريد به بيان الحكم الشرعي وهو المراد هنا ومنه قوله تعالى {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} (176) سورة النساء أي يبين لكم حكمها.
والإفتاء منصب خطير وعظيم لأنه توقيع عن رب العالمين فالمفتي حين يفتي في مسألةٍ شرعية كأنه يقول أمر الله بكذا أو نهى عن كذا أو حكم بكذا فإن كان أفتى عن علمٍ وهدى كان أجره عظيم لأنه يدل الناس على أحكام ربهم عز وجل فله من الأجر مثل أجر من عمل بفتياه لأنه دله على الخير والدال على الخير كفاعله، وإن كان أفتى بغير علم وإنما بجهلٍ وهوى كان وزره عظيم لأنه تجرأ على الله وقد قال تعالى {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} (116) سورة النحل وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) رواه الدارمي وضعفه الألباني
والمصنف أراد المفتي المطلق وهو المجتهد فهو الذي تنطبق عليه الشروط التي ذكرها، وأما مجرد الإفتاء فإن من علم مسألةً بدليلها أو بفتوى عالم وسئل عنها وجب أن يفتي السائل بمقتضاها ولا يمتنع لأنه لم تتوفر فيه الشروط المذكورة، فالشروط التي ذكرها المصنف إنما هي للمجتهد المطلق الذي يفتي في النوازل وفي مسائل الخلاف ونحو ذلك.
قال (أن يكون عالمًا بالفقه أصلًا وفرعًا) أي أصول الفقه وهي المسائل الكلية، وفروعه وهي المسائل الجزئية (خلافًا ومذهبًا) أي ويشترط أن يكون مطلعًا على خلاف العلماء ومذاهبهم لئلا يكونوا قد أجمعوا على أمرٍ فيخرق إجماعهم وليعرف أدلتهم وأسباب خلافهم فيكون عنده تصور كامل للمسائل.