الاستحالة بنوعيها تعود إلى الموضوع أو الوسيلة المستعملة:
-بالنسبة للموضوع: و تكون الاستحالة مطلقة إذا انعدم محل الجريمة كمحاولة الإجهاض التي تستهدف امرأة غير حامل و من ثمة فالبدء في تنفيذها أمرا غير ممكن [1] .
أما الاستحالة النسبية تكون بوجود محل الجريمة لكن في غير المكان الذي اعتقد الجاني وجوده فيه، كإطلاق النار صوب نافذة اعتاد الجاني الوقوف فيها.
-بالنسبة للوسيلة المستعملة: و تكون فيها الاستحالة إذا استعمل الجاني وسيلة غير صالحة تماما، كمن يطلق النار من بندقية لا تستعمل في إطلاق الذخيرة الحية أو من يسمم شخصا بوسيلة أو مادة غير سامة، و نكون أمام استحالة نسبية إذا كانت الوسيلة صالحة و لكنها لم تحدث النتيجة لسوء استعمالها.
ونخلص أنه سواء تعلق الأمر بالوسيلة أو الموضوع فإنه لا يعاقب في الاستحالة المطلقة و هو الاتجاه الموضوعي و حجتهم انتفاء الضرر، فلا سلوك الجاني كان منطويا منذ البداية على خطر تحقق النتيجة و لا هذه النتيجة قد تحققت فما علة العقاب إذن؟.
أما إذا كانت الاستحالة نسبية فهذا لا يحول دون وقوع الشروع سواء تعلقت بالمحل أو بالوسيلة، و هذا الاتجاه تم اعتناقه من طرف محكمة النقض المصرية أحيانا للتفرقة بين الاستحالة المطلقة و النسبية و العقاب على الثانية دون الأولى.
غير أن الأحكام القضائية متذبذبة، فتارة تميل إلى اتجاه و تارة تميل إلى اتجاه آخر، و لعل أوضح مثال للتردد ما قضي به مؤخرا في فرنسا من عقاب إحدى أبرز صور الاستحالة المطلقة و القانونية، حيث قررت محكمة النقض الفرنسية قيام جريمة الشروع في القتل في مواجهة الجاني الذي اعتدى على شخص كان يظنه حيا بينما كان قد فارق الحياة قبل الاعتداء [2] .
و قد قضت قبل ذلك باعتبار الشروع في السرقة متوافرا إذا وضع شخص يده في جيب آخر بقصد سرقته لكنه وجد الجيب فارغا مما لا يمكن سرقته.
و على خلاف ذلك لم يخل الأمر من اعتناق قضاء الموضوع أحيانا للاتجاه الموضوعي الذي يأخذ بعدم العقاب على الجريمة المستحيلة، فلا شروع في إطلاق النار على شخص غير موجود بالغرفة التي أطلق صوبها النار [3] .
(1) عبد الستار فورية، مبادئ علم الإجرام و العقاب، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 1972، ص 266.
(3) د/سليمان عبد المنعم، المرجع السابق، ص 618 و 619.