إلا أن الاجتهاد القضائي المصري زاخر في هذا الميدان، ففي قضية متعلقة بحادثة شروع في قتل بالتسميم، قرر مستشار الإحالة بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم العقاب بصدد واقعة جريمة قتل بالسم أعطى فيها الفاعل المجني عليه مادة سامة"سلفات النحاس"و لكن بكمية قليلة جدا لا تكفي لإحداث الوفاة.
و قد أسس مستشار الإحالة قراره على أن الأفعال التي قام بها الفاعل لا تكون جريمة لاستحالة وقوع النتيجة قانونا [1] .
و لكن محكمة النقض ألغت هذا القرار و قضت بأن إعطاء المجني عليه مادة سامة بكمية قليلة جدا و غير كافية لإحداث الوفاة لا يمنع من اعتبار الواقعة شروعا معاقبا عليه.
و في قضية ثانية متعلقة بعدم صلاحية السلاح المستعمل قضت محكمة الجنايات ببراءة المتهم لأن فعله لا يكون جريمة لاستحالة وقوعها، و قد كانت هذه الدعوى في الشروع في قتل و لكن السلاح غير صالح لقصر إبرة ضرب النار، و لكن محكمة النقض قررت عقابه على أساسه أن فعله يشكل شروعا.
و تحليل ذلك أن محكمة الجنايات منحت البراءة على أساس أن الجريمة مستحيلة الوقوع لعدم صلاحية السلاح، في حين أن محكمة النقض اعتبرته شروعا آخذة بذلك بموقف الاتجاه الشخصي الذي يقر العقوبة على الجريمة المستحيلة مطلقا.
و في قضية ثالثة متعلقة بمحاولة السرقة من جيب خال من النقود، أصدرت محكمة النقض بمصر في 03/ 11/1924 حكما عبرت فيه بوضوح عن إتباعها للنظرية القائمة على التمييز بين الاستحالة المطلقة ... و النسبية، و قالت في حيثيات حكمها إن الحالة التي توصف بأنها جريمة مستحيلة تنقسم إلى نوعين:
الأولى: جريمة مستحيلة استحالة مطلقة كمن أطلق عيارا ناريا على جثة و هذه لا عقاب عليها.
الثانية: جريمة مستحيلة استحالة نسبية و هو ما ينطبق على موضوع الدعوى بالنسبة لمحاولة السرقة من جيب خال، و أشارت المحكمة أن وضع اليد في جيب آخر لوجد ما يريد سرقته، و أوقعت العقاب على الجريمة المستحيلة استحالة نسبية.
و كما هو الشأن لمن يطلق النار من بندقية صالحة مع فساد الكبسولة أي المقذوف، وهذا ما تضمنه قرار المحكمة العليا في 01/ 01/1962 فقد فصّلت المحكمة تفصيلا دقيقا بين ما إذا كانت الآلة المستعملة صالحة أم
(1) - د. مأمون محمد سامة، قانون العقوبات، القسم العام، الطبعة الثالثة، سنة 1990، ص 415 - 417.