فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 61

و قد ورد ذكرها في القرآن الكريم لقوله عز و جل:"فلما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم و ضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) و جاء قومه يهرعون إليه و من قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله و لا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) فقالوا لقد علمت ما قلنا في بناتك من حق و إنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن لي بكم قوة أو أوى إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط إنا رسل ربك ألن يصلوا إليك" [1] .

فكان معلوما منذ أن أرادوا اقتراف الجريمة أنهم لن يصلوا إلى مقصدهم، و يقول الإمام الطبري في تفسيره قوله تعالى"و جاءه قومه يهرعون إليه"، أي يستحلون إليه يرعدون مع سرعة المشي بما بهم من طلب الفاحشة.

ثم قال رحمه الله: يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك إلى ضيفك بمكروه فهوّن عليك الأمر و أسر بأهلك و اخرج من بين أظهرهم أنت و أهلك ببقية من الليل" [2] ."

قال ابن الجوزي قوله تعالى:"لن يصلوا إليك قال مقاتل فيه إضمار و تقديره لن يصلوا إليك بسوء ذلك أنهم قالوا للوط:"إنا لنرى معك رجالا سحروا أبصارنا فستعلم غدا ما تلقى أنت و أهلك فقال له جبريل:"إنا رسل ربك لن يصلوا إليك".

قال الطبري:"قالوا يا لوط إنا رسل ربك لما رأت الملائكة حزنه و اضطرابه و مدافعته عرفوه بأنفسهم فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول فأمر جبريل عليه السلام يده على أعينهم فعموا، و على أيديهم فعقت، لن يصلوا إليك أي بمكروه".

و يمكن أن تستدل ببعض الصور التطبيقية للجريمة المستحيلة في الشريعة الإسلامية عنها:

السرقة: فالسرقة في الشريعة نوعان حدية و تعزيرية، و يشترط في التعزيرية الأخذ خفية و أن يكون المال مملوكا للغير و القصد الجنائي، فإذا ارتكب الفاعل أعمالا ليس من شأنها تحقيق الجريمة إطلاقا أو تخلف أحد الأركان الأساسية، فليس هناك ما يدعو تجريم الأفعال التي ارتكبها في هذا الشأن.

و تطبيقا لذلك يشترط لتحقق جريمة السرقة شرعا أن يكون المال المسروق مملوك للغير و ليس للسارق، ... و عليه لا يعتبر سارقا حتى لو أخذه خفية، و لا يعتبر سارقا من يستولي على مال مملوك له و إن كان يعتقد خطأ أنه مملوك للغير.

فالشريعة الإسلامية في موضوع السرقة لا تعاقب الشخص بمرتكب للجريمة المستحيلة لعدم وقوع الضرر على الغير.

(1) سورة هود، الآيات من 77 إلى 80.

(2) الطبري محمد بن حريه أبو جعفر، جامع البيان في تفسير القرآن، تفسير الطبري، دار المعرفة بيروت، الطبعة 04، سنة 1980.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت