فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 61

و فيها عدل موسى عليه السلام عن إتمام بطشه بالإسرائيلي، و على القول الثاني يكون عدول الإسرائيلي عن قتل القبطي بسبب نهي موسى عليه السلام له و خوفه منه لشدة بأسه عليه السلام و قوته و بطشه.

و بالتالي إذا عدل الجاني لسبب غير التوبة كعدول الجاني من دخول منزل للسرقة لرؤيته الحارس يمر في تلك المنطقة أو دخل المنزل ثم خرج لعدم قدرته على فتح الخزانة فكل هذه الأفعال معاصي يعزر فاعلها.

و يختلف الأمر إذا كان عدول الجاني سببه التوبة و الرجوع إلى الله تعالى، فإن الجاني لا يعاقب على ما فعل إذا كانت الجريمة هي الحرابة مصداقا لقوله تعالى:"إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم" [1] .

فالمحارب إذا تاب قبل القدرة عليه سقطت عقوبته بالرغم من أنه أتى الجريمة التامة، و إذا كان هذا حكم من أتى الجريمة فالأولى أن يكون حكم من لم يتمها.

و إجماع الفقهاء و اتفاقهم كان بصدد جريمة الحرابة التي تكون فيها توبة المحارب قبل القدرة عليه سببا لسقوط العقوبة، إلا أنهم اختلفوا في أثر التوبة على ما عدا هذه الجريمة و لهم في ذلك ثلاث نظريات:

-النظرية الأولى و أنصارها بعض الفقهاء في مذهب الشافعي و مذهب أحمد و مجمل رأيهم أن التوبة تسقط العقوبة و حجتهم في ذلك أن القرآن نص على سقوط عقوبة المحارب بالتوبة، و جريمة الحرابة هي أشد الجرائم، فإذا دفعت التوبة عن المحارب عقوبته كان من الأولى أن تدفع التوبة عقوبة ما دون الحرابة من الجرائم.

و أن القرآن الكريم لما جاء بعقوبة الزنا الأولى رتب على التوبة منع العقوبة و ذلك مصداقا لقوله عز ... و جل:"و اللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما" [2] .

و ذكر القرآن الكريم حد السارق و أتبعه بذكر التوبة في قوله تعالى:"فمن تاب من بعد ظلمه و أصلح فإن الله يتوب عليه" [3] .

و أن الحبيب المصطفى قال:"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، و من لا ذنب له لا حد عليه.

و قال عليه الصلاة و السلام في ماعز لما أخبر بهربه:"هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه".

و من المتفق عليه أن التوبة تسقط فقط ما يمس حقوق الجماعة، أما ما يمس حقوق الأفراد فلا يسقط بالتوبة، فالمحارب إذا أخذ المال فقط ثم تاب سقطت عنه عقوبة القطع بالتوبة و لكنه يلزم برد المال، و إذا أخذ المال ... و

(1) سورة المائدة، الآية 34.

(2) سورة النساء، الآية 16.

(3) سورة المائدة، الآية 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت