ما يمنع شرعًا من استيعاب أو شمول الأصناف عند توزيع الزكاة إذا أمكن تحصيلة من الناحية الواقعية، لأنه كلما أمكن استيعاب جميع الأصناف، واستيعاب آحاد كل صنف، كان أفضل من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، إذا كان في المال سعة، لأن في ذلك تلبية لحاجات جميع المحتاجين، أيضًا أقول نعم قد نحتاج إلى الشمول والاستيعاب عند تساوي الحاجات لكن هذا ليس مضطردًا، بل هو من الأمور الاستثنائية، وأحكام الشرع لا تبنى على الاستثناء، وإنما تبنى على الأصل، والأصل هو عدم تساوي الحاجات.
وعلى هذا إذا أثبتت البحوث الاقتصادية المعتمدة جدوى الشمول لم يترجح القول بالشمول من الناحية الفقهية، لأن النظر الفقهي في عدم وجوب الشمول بنى حكمه على الدليل الشرعي، والدليل الشرعي لم يوجب الشمول، لما فيه من عدم الواقعية من جهة، وعدم تلبية الحاجات الملحة من جهة أخرى.
أما عدم واقعيته، فتأتي من احتياجه إلى معرفة مسبقة لمقادير الأموال التي يمكن جمعها، وكذلك الحاجات التي تقابلها، وهذا غير ممكن، لأنه إن أمكن معرفة الحاجات على وجه التقريب، لا يمكن الوقوف على مقادير الأموال إلا بعد الجمع الفعلي لجميع أموال الزكاة، وهذا يترتب عليه تأخير في توزيع الزكاة على المستحقين، مما يعني لحوق الأضرار بالمحتاجين أو الأشد حاجة منهم، تلك الأضرار التي قصد الشارع دفعها من خلال شرعية الزكاة، وفورية وجوبها، وعدم تأخير توزيعها، كما أنه يوقع في الحرج والمشقة لو وزعها المزكي بنفسه حيث يحتاج إلى البحث عن الأصناف .... الخ. والحرج مرفوع شرعًا بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [1] ، وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [2] وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"يسروا ولا تعسروا"، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث التي تحث على التيسير ورفع الحرج.
وأما عدم تلبيته للحاجات، فيأتي من اختلاف تلك الحاجات من حيث شدتها وخفتها، ومن حيث حلولها وتأجيلها، وعموميتها وخصوصيتها، والمفاضلة بينها بحسب تلك الأمور مطلوبة شرعًا، فيقدم الأهم، فالأهم، والأحوج فالأحوج، والحالّ على المؤجل، والأعم على الأخص.
والمسلم مطالب بإيثار أخيه المسلم على نفسه إذا كان أشد حاجة منه، كما أنه مطالب بتقديم الأمور العامة كالجهاد والتأليف ونحوهما على مصلحته الخاصة لما يترتب على ذلك من آثار. وقد نبه صاحب الشرح الصغير، وصاحب شرح منح الجليل
(1) الحج 78:.
(2) البقرة: 185.