أولا: لأن الأصل عدم جواز التصرف في جثة المسلم إلا في الحدود الشرعية المأذون بها والتشريح ليس منها ، فوجب البقاء على الأصل المقتضي للمنع ، وهذا الأصل يسلم به القائلون بجواز التشريح وإن كانوا يستثنون التشريح اعتبارا منهم للحاجة الداعية إليه .
ثانيا: أن الحاجة إلى التشريح يمكن سدها بجثث الكفار ، فلا يجوز العدول عنها إلى جثث المسلمين ، لعظيم حرمة المسلم عند الله حيا أو ميتا .
ثالثا: أن أدلة المنع يمكن تخصيصها بالمسلم دون الكافر ، فلا حرج في إهانته لمكان كفره ، كما قال تعالى:"ومن يهن الله فما له من مكرم"... ولا شك أن الكفار ممن أذلهم الله تعالى .
وأما أحاديث النهي عن المُثلة: فقد ثبت ما يخصصها كما في قصة العرنيين وآية المحاربين .
فإذا جاز التمثيل لمصلحة عامة وهي زجر الظلمة عن الإعتداء على الناس ، فكذلك يجوز التمثيل بالكافر طلبا لمصلحة عامة ينتظمها الطلب الذي من أجله شرحت جثة الكافر ، إضافة إلا أن بعض العلماء يرى أن النهي للتنزيه .
وحديث تحريم كسر عظم الميت خاص بالمؤمن كما هو منصوص عليه في نفس الحديث .
وأما النهي عن الجلوس على القبر فإنها تدل على تأذي الميت بذلك وهذا يتفق مع ما سبق ذكره من تخصيص المسلم بالمنع ، وأما الكافر فإن إيذاءه بعد موته مقصود شرعا ، فلا حرج في فعله .
رابعا: أن استدلال القائلين بجواز التشريح مطلقا بقياسه على نبش القبر الميت لأخذ الكفن المغصوب مردود بكونه قياسا مع الفارق ...
خامسا: أن تشريح جثة المسلم يعطل عن فعل كثير من الفروض المتعلقة بها بعد الوفاة من تغسيلها وتكفينها والصلاة عليها ودفنها ....
ولهذا كله فإنه يترجح في نظري القول بجواز تشريح جثة الكافر دون المسلم ، ولكن ينبغي أن يتقيد الأطباء وغيرهم ممن يقوم بمهمة التشريح بالحاجة ، فمتى زالت ، فإنه لا يجوز التمثيل بالكافر بتشريحه حينئذ ، لأن ما جاز لعذر بطل بزواله والله تعالى أعلم .ا.هـ.