فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 495

وقد استشهد ـ رحمه الله ـ لما توصل إليه من ارتباط المقاصد بالأفعال بقصة أصحاب الجنة؛ (بأن حرمهم ثمارها لما توصلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين، وكذا اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، فلم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها، فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك... وهذا معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره:(لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه) ، يعني ثمنه المقابل لمنفعة الأكل، فإذا كان فيه منفعة أخرى، وكان الثمن في مقابلتها؟ لم يدخل في هذا. إذا تبين هذا؛ فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقًا بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته؛ لم يستحقوا اللعنة لوجهين:

أحدهما: أن الشحم خرج بجمله (إذابته) عن أن يكون شحمًا وصار ودكًا، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعًا عند من يستحل ذلك، فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم اشتراه بالثمن الحال ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: «دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة» ؛ فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهمًا بلا حيلة البتة، لا في شرع ولا في عقل ولا عرف، بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال وأزيد منها.

الوجه الثاني: أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، وإنما انتفعوا بثمنه.

ويلزم من راعي الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك، فلما لُعنوا على استحلال الثمن وإن لم ينص لهم على تحريمه؛ علم أن الواجب النظر إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة) (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت