فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 495

ثالثًا: بجانب ما روي عن الإمام أحمد في إحدى روايتيه بتحريم مسألة التورق باعتبارها صورة من صور بيع العينة، فقد روي عن الإمام مالك ـ رحمه الله ـ منع العينة بناء على عدم القبض من البيعة الأولى أو القبض الصوري الذي يُتخذ وسيلة وذريعة إلى الربا (4) . وتحريم الوسائل من الأمور التي جاء الشرع بها وقال بها الأئمة، فمن ذلك أن الشافعي ـ رحمه الله ـ يحرم مسألة «مد عجوة (نوع من التمر) » ، و «درهم بمد ودرهم» ، وبالغ في التحريم خوفًا من أن يتخذ حيلة على نوع من ربا الفضل، فالتحريم للحيل الصريحة التي يتوصل بها إلى ربا النسيئة أولى من تحريم «مد عجوة» بكثير، فإن التحيل بمد ودرهم من الطرفين على ربا الفضل؛ أخف من التحيل بالعينة على ربا النساء (5) الذي هو الغاية التي تسعى إليها البنوك في تعاملها من خلال التعامل في شراء وبيع السلع في سوق السلع العالمي (البورصة) المستقبلية، فإن مفسدة ربا الفضل في مسألة «مد عجوة» أقل من مفسدة استخدام التورق لاستحلال ربا النسيئة. فلا يتعامل بالتورق إلا مضطر إلى الاقتراض، فالمستغني عنه لا يثقل ذمته بزيادة في شراء السلع مؤجلًا ثم بيعها بخسارة بدون ضرورة وحاجة، وقد روى أبو داود من حديث علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمر قبل أن تدرك» . وقد أوضح ابن القيم أن شراء المضطر للسلعة ثم بيعها لبائعها بأنها العينة، وإن باعها لغيره فهو التورق، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بين البائع والمشتري، فهو محلل الربا. والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق، وقد كرهه عمر ابن عبد العزيز وقال هو آخية الربا (6) ، وتشبيه عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بأن التورق هو للربا بمثابة الحبل الموثق إلى وتد تُربط به الدابة، فالدابة لا يمكن لها الفكاك من هذا الرباط، وكذلك التورق هو مربوط بالربا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت