وما يحرم من جهة ما لا يؤكل بالعرف من معاني الرسالة، ومعاني الرسالة ما أعرف له [1] .
الأصل فيما يحل أكله وفيما لا يحل: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب فقوله -سبحانه وتعالى-: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [2] .
وأراد بذلك ما تستطيبه العرب [3] ولم يرد به الحلال [4] ، لأن القرآن نزل بلغة العرب وهم المخاطبون بذلك وكانوا يسألون عن ذلك، وكانوا يتركون من خبيث الأكل ما لا يترك غيرهم، فلا يجوز أن يكونوا سألوا عن الحلال فقال: هو حلال لكم [5] .
(1) (قال الشافعي: رحمه الله: قال الله جل ثناؤه: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} . وقال في النبي صلى الله عليه وسلم:"ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث". وإنما خوطب بذلك العرب الذين يسألون عن هذا ونزلت فيهم الأحكام، وكانوا يتركون من خبيث المآكل مالا يترك غيرهم. قال الشافعي: وسمعت أهل العلم يقولون في قول الله عز وجل: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه} الآية. يعني: مما كنتم تأكلون، ولم يكن الله عز وجل ليحرم عليهم من صيد البر في الإحرام إلا ما كان حلالًا لهم في الإحلال - والله أعلم - فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الغراب والحدأة والعقرب والحية والفأرة والكلب العقور دل ذلك على أن هذا مخرجه، ودل على معنى آخر أن العرب كانت لا تأكل مما أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الإحرام شيئًا) مختصر المزني ص 375، 376.
(2) سورة المائدة آية: 4.
(3) ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه، ومن مفهومه حرم مستخبثات العرب أو ما لم يدخل نص ولا قياس على حرمته، والطيبات: الحلال وكل حرام فليس بطيب، وقيل: ما التذه آكله وشاربه ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا والآخرة، وقيل: الطيبات الذبائح، لأنها طابت بالتذكية. أحكام القرآن للشافعي (2/ 88) ، والنكت والعيون (1/ 111) ، وزاد المسير (3/ 273) ، وتفسير القرطبي 6/ 65، وتفسير البيضاوي 2/ 295، وتفسير ابن كثير 2/ 16، وتفسير الواحدي 1/ 309. وانظر: الحاوي (15/ 132) .
(4) العزيز (12/ 144) ، لأنهم سألوه عما يحل لهم، فكيف يقول: أحل لكم الحلال. نهاية المحتاج (8/ 150)
(5) الحاوي الكبير (15/ 132، 133)