الفصحاء، يسبق إليه، ثم يساويه فيه غيره من الفصحاء، فيساويه في ذلك النظم، ومن يفضل عليه بفضله في ذلك النظم.
ويقول القاضى: «و لذلك لا يصح عندنا، أن يكون اختصاص القرآن، بطريقة في النظم دون الفصاحة، التي هي جزالة اللفظ، وحسن المعني» .
تحدى رسول اللّه العرب، بطريقة معروفة، وهى طريقة النبوة، والزام الشريعة واتباع القرآن، دون طريقة الغلبة والملك، والقهر بالسلطنة، وجعل الذي لأجله يلزم الانقياد، العلامة والمعجزة وهي القرآن، والذي يدعو إلى إبطال أمره، هو الذي يدعو للمعارضة، ولقد عرض العرب عن المعارضة، لتعذرها عليهم، رغم بذلهم من تضحيات، وفشلوا في ذلك.
ويقول القاضي «1» : «فلو قال معارض، إن الذين أمكنهم أن يأتوا بالمعارضة، قليل من كثير، لأن العرب وإن كانت كثيرة في العدد، فمن يوصف بالتقدم في البلاغة قليل والفصاحة، ثم يترتبون ويتفاضلون، فيعود الأمر في متقدميهم، فجوزوا أنهم اتهموا بالمعارضة، وتواطئوا على كتمانه، أو عدلوا عن المعارضة، مع التمكن، محبة للمشاركة في رئاسته، ووجوه المنافع من قبله، أو دفعا للمضار المخوفة من جهته، وتجويز ذلك يبطل ما ادعيتموه» .
قيل له: ليس الأمر كما قدرته، لأن من يعد من الفصحاء، قد كان فيهم كثرة، لا تجوز على مثلهم الطريقة التي ذكرتها، وهذا بيّن عند من يعرف أحوال الشعراء والخطباء، والمتقدمين في هذا الباب.
ويقول أبو هاشم: «إن المعارضة لو وقعت من القليل، كانت لا تلبث أن تنكشف على الأيام، إن لم تنكشف في الحال، لأن العادة لم تجر في كتمان مثل ذلك باستمرار، ولو جوزنا مثله، لم نأمن في زمن كل متقدم في الشعر، وفي زمن كل عالم مبرز، أن جماعة شاركوه وساووه، ومع ذلك أنكرتم أمرهم البتة، في سائر الأوقات، والمتعالم من حال أسرار الملوك، مع تشددهم في كتمها، أنها قد انكشفت، على الأوقات، فكيف يجوز في مثل ذلك أن ينكتم أبدا.
(1) المغنى 16 ص 271