الحق والباطل. وكان واصل يلازم مجلس الحسن، يظنون به الخرس من طول صمته، فمر ذات يوم بعمرو بن عبيد، فأقبل عليه بعض مستحبّي واصل فقال: «هذا الذي تعدونه في الخرس، ليس أحد أعلم بكلام غالية الشيعة، ومارقة الخوارج، وكلام الزنادقة والدهرية والمرجئة وسائر المخالفين، والرد عليهم منه، قال عمرو: أنّى هذا؟
وله عنق لا يأتي معها بخير، وكان واصل طويل العنق، ثم قال عمرو بعد ذلك:
«و أشهد أن الفراسة باطلة، إلا أن ينظر رجل بنور اللّه» . قال الجاحظ: «و لمّا قال بشار بن برد «1» بالرجعة وتكفير جميع الأمة، تبرأ منه واصل»، وكان صديقا له، ومدحه بشار، وذكر خطبته التي ألغى منها الراء، وكانت على البديهة، وهي مع ذلك أوسع من خطبة خالد بن صفوان وشبيب بن شبه فقال بشار:
تكلّف القول والاقوام قد ضلّوا ... وحبّروا خطبا ناهيك من الخطب
وقال مرتجلا تغلي بداهته ... كمرجل القين ما حفّ باللهب
وجانب الراء لم يشعر به أحد ... قبل التصفّح والاغراق في الطلب
فلما تبرأ منه هجاه فقال:
ما لى أشايع غزّالا له عنق ... كنقنق الدو إن ولىّ وإن مثلا
عنق الزرافة ما بالى وبالكم ... تكفّرون رجالا كفّروا رجلا
فعابه بطول عنقه، النقنق بنونين وقافين، ذكر النعام شبهه به لطول عنقه.
وسئلت أخت عمرو بن عبيد، وكانت زوجة واصل: «أيهما أفضل؟» فقالت: بينهما كما بين السماء والأرض»، فقيل: «كيف كان علمهما؟» قالت: «كان واصل إذا جنّه الليل صف قدميه يصلي، ولوح ودواة موضوعان، فإذا مرت به آية فبها حجة على مخالف، جلس فكتبها ثم عاد في صلاته.
(1) هو أشعر المولدين على الاطلاق، أصله من طخارستان «غربى نهر جيحون» . نشأ في البصرة، وقدم بغداد. نسبته إلى امرأة عقيلية قيل إنها أعتقته من الرق. ولد سنة 95 ه ومات ضربا بالسياط سنة 167 ه.